29 ربيع الأول 1439 هجري - الأحد 17 ديسمبر 2017 ميلادي

• مادة منتقاة تجمع المسائل التي تكثر الحاجة إليها في أبواب العقيدة والفقه والمعاملات من فتاوى الشيخ عبدالعزيز ابن باز، جمع وترتيب القسم العلمي بمؤسسة ابن باز الخيرية.

الإيمان قولاً وفعلاً ولا حكم إلا لشرع الله ووجوبية الدعوة وموواجهة الغزو الفكري
إن شخصية مثل سماحة ابن باز يرحمه الله تمتلك من المقومات والإمكانات ما يجعلها تحيا حياة متوازنة يتجاوز فيها العطاء النفسي مع الرصيد الفكري والسلوك الإنساني الرشيد ويستطيع الراصد لهذه الشخصية أن يلمح ذلك التوافق بين الفكر والفعل والقول والعمل .
وإذا كان من الصعب على الباحثين أن يرصدوا بشكل دقيق كافة الجوانب الفكرية في حياة بعض العلماء من أصحاب الفكر الثاقب والمستنير والعطاء العميق والإسهامات الغزيرة في مجالات الحياة المتعددة لصعوبة متابعة إنتاجهم الفكري وملاحظة تأثيره على الناس .. ف أن الأمر يبدو أكثر صعوبة في حالة شيخنا الذي أسلهم بعلم غزير وله دور كبير ورائد في مجال خدمة الدعوة الإسلامية بشكل امتد أثره ليشمل أغلب بقاع العالم الإسلامي بل والعالم أجمع وتأسيساً على ما سبق فإن الحديث عن الجوانب الفكرية في عطاء شيخنا يدفعنا إلى محاولة رصد عطاء رجل تقع على كاهله أع باء مهمة الدعوة والإرشاد والإفتاء والبحث العلمي وخدمة قضايا عامة المسلمين وخاصة في شتى بقاع الأرض.
ثوابت ومنطلقات
وتتعدد الجوانب الفكرية والثقافية في حياة سماحة الشيخ ابن باز .. لكن رغم هذا التعدد والتنوع إلا أنها تصب في بوتقة واحدة وتستقي مادتها من نهر واحد .. ومن ثم فإن هذه الجوانب الفكرية والثقافية تشتمل على ثوابت ومنطلقات صبغت هذا الطاء وأطرته في إ"ار متين .
ونحن هنا سوف نحاول أن نستبين هذه الثوابت التي أثرى من خلالها شيخنا الحياة في المملكة .. كما سنحاول أن نعيد طرحها في قالب استقرائي يحيط بجوانب الثوابت التي يمكن أن ندعي أنه يمكن حصرها في منطلقين أساسيين:
المنطلق الأول : أن كل ما يصدر عن سماحته وما يقوله مصدره كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهو دائم الاستشهاد بآياته والاسترشاد به والدعوة إلى الرجوع إليه والحث على قراءته وحفظه والعمل به.. مثلما يفعل نفس الشيء مع سنة سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم وهذا يعني أن سماحته لا يأتي بشيء من عنده ويضفي الكثير من المصداقية على كل ما يقول.
المنطلق الثاني : أن كل ما يصدر من سماحته من أقوال وفتاوى وآراء إنما جاء نتيجة دراسة واعية وفهم كامل وإدراك مستنير بمقاصد الشريعة وإعمال للفكر وإيمان عميق بفضيلة الاجتهاد فيما يستجد من حياة الناس دون الخروج على نص أو تزيد على مبدأ .
وهذان المنطلقات يمثلان حجر الزاوية في فكر الإمام وما صدر عنه وما قدمه زاداً لكل مسلم يريد أن يعرف دينه .
وبناء على ذلك فقد تشكل فكر الإمام .. وأثمر عنه تبنيه لمجموعة من المبادئ تمثل في مجملها عطاءً شاملاً متكاملاً للإيمان الحق والمؤمن القادر على استيعاب دينه وأحكامه وقيمه في صورة تجسد الأنموذج لإنسان هذا العصر وكل عصر كما تتمخض عن نسيج متوافق سوي لا يعاني من المؤهلات الفكرية التي يعاني منها من يخرج عن المراجع الإلهية .. وفيما يلي نحاول استعراض بعض من هذه المبادئ التي شكلت فكر الإمام واستوعبت عطاءه أيضاً.
(الإيمان ..القول والفعل)
الإيمان بالله والتمسك بكتابه العزيز ، والإيمان بمعناه الشامل هو المحور الذي تتمحور حوله حياة شيخنا من ناحية وهو الإطار الذي يؤطر دعوته .
وتأسيساً على ما سبق سوف يعثر الدارس لكل ما صدر عن سماحته من أقوال وكلمات وفتاوى أن الأساس هو الدعوة إلى الإيمان بالله وتوحيده وعبادته جل وعلا وإلى التمسك بكتابه العزيز مؤكداً على أنه أساس دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم . . وفي هذا الصدد يقول سماحته :
"الرسول صلى الله عليه وسلم أولى عمل عمله وأول أساس رسمه أنه دعا الناس إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له .. هذا هو أ,ل ما عمل وهذا أوس أساس تكلم به ودعا إليه وأرشد إلى تفاصيل ذلك .. والكلمة التي دلت على هذا المعنى هي قول لا إله إلا الله .. هذه هي الأساس المتين ومعها شهادة أن محمداً رسول الله".
ويؤكد سماحته على أن التوحيد والشهادة بأن محمداً رسول الله هي أصل الإسلام وهما الأساس فيقول:
هذان الأصلان والأساسان المهمان هما أساس الإسلام وهما أساس صلاح الأمة...من أخذ بهما واستقام عليهما عملاً وعلماً ودعوة وصبراً .. استقام له أمره وأصلح الله به الأمة على قدر جهاده وقدرته وأسبابه .. ومن أضاعهما أو أضاع أحدهما ضاع وهلك .
ويستعرض سماحته أسباب انتشار الشرك – المناقض للإيمان – وضعف الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم .. مشيراً إلى ذلك في وضوح لا لبس فيه فيقول:
"وبسبب تساهل كثير من العلماء وطلبة العلم وأعيان أهل الإسلام الذين فقوا توحيد الله .. بسبب لتساهل في هذا الأصل الأصيل انتشر الشرك في بلاد كثيرة وعبدت القبور وأهلها من دون الله .. وهذا كله من دسائس الشيطان ومن مكائده فإنه أحرص على إزاحة الناس عن عقيدتهم ودينهم وعلى إبعادهم عنها بكل وسيلة".
ويعود شيخنا فيرشد صفوة المجتمع وطلبة العلم نحو الطريق السليم وبر الأمان وسط عواصف الإلحاد .. قائلاً:
الواجب على طلبة العلم وهم أمل الأمة – بعد الله عزَّ وجلَّ – في القيادة بحكمة وإخلاص وصدق أن يعنوا بالأساس وأن يعرفوا العامل الوحيد العظيم الذي عليه الارتكاز والذي يتبعه ما سواه وهو العناية بتوحيد الله والإخلاص له .. والعناية بالإيمان بمحمد – صلى الله عليه وسلم – وأنه رسول الله حقاً و أن الواجب إتباعه والسير على منهاجه .. كما يجب على طالب العلم وعلى القائد أن يعظم أمر الله ونهيه وأن يستقر خوف الله في قلبه فوق كل الأشياء .. وألا يبالي بما يرجف به المرجفون ضد الحق وأهله ثقة بالله وتصديقاً لما وعد رسوله محمداً وكافة الرسل فوجب أن نعنى بهذا الأساس وأن ندعو الناس إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له .. وألا نغلو في القبور والأنبياء والأولياء ولغيرهم مع الله ونصرف لهم العبادة أ, خوف أ, رجاء أو نحو ذلك .
وعن الإيمان بالرسول المبعوث هداية للناس ورحمة .. والشهادة بأنه رسول الله ونبيه إلى الناس أجمعين نجد شيخنا قد أكد على ذلك باعتباره من كمال التوحيد وتمام الإيمان .. ويقول:
"ومن تحقيق شهادة أن محمداً رسول الله تعظيم سنته والدعوة إليها وتنفيذ مقاصدها والتحذير من خلالها وتفسير القرآن بما فيما قد يخفى من آياته".
ويوضح سماته أن الإيمان بالله هو سبيل العزة للأمة والطريق الوحيد المؤدي إلى المخرج والوسيلة الفعالة في مواجهة تحديات هذا العصر وكل عصر .. ويقول:
"هذا الأساس العظيم يجب أن يكون منه المنطلق للدعاة المخلصين والمصلحين في الأرض الذين يريدون أن يتولوا إصلاح المجتمع والأخذ بيده إلى شاطئ السلامة وسفينة النجاة".
ومن سلك المؤمن الواعي تجاه كتاب الله العزيز وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما ينبغي عليه عمله يقول سماحته:
"قدر بنفسك واستنبط من كتاب ربك وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن خلال أهل العلم ما يعينك على فهم كتاب الله وعلى فهم السنة .. وكن حريصاً على العلم والفقه في الدين حتى تستطيع أن توجه المجتمع إلى الطريق السوي وتأخذ بيده إلى شاطئ السلامة وحتى تعلم كيف تعمل فتبدأ بنفسك وتجتهد في إصلاح سيرتك".
ويعدد سماحته أوجه الإيمان بالله وتوحيده وعبادته في أكثر من موضع .. فيقول:
"إن حقيقة هذه العبادة هي إفراد الله – سبحانه وتعالى – بجميع ما تعبد به العباد من دعاء وخوف ورجاء وصلاة وصوم وذبح ونذر وغير ذلك من أنواع العبادة على وجه الخضوع له والرغبة والرهبة مع كمال الحب له سبحانه والذل لعظمته".
"ومن الإيمان بالله .. الإيمان بجميع ما أوجبه على عباده وفرضه عليهم من أركان الإسلام الخمسة الظاهرة وغير ذلك من الفرائض التي بها الشرع المطهر وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا".
"ومن الإيمان بالله سبحانه : الإيمان بأنه خالق العالم ومدبر شؤونهم والمتصرف فيهم بعمله وقدرته كما يشاء سبحانه .. وأنه مالك الدنيا والآخرة ورب العالمين جميعاً لا خالق غيره ولا رب سواه".
"ومن الإيمان بالله أيضاً الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في كتابه العزيز والثابتة عن رسوله الأمين من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.. بل يجب أن نؤمن كما جاءت بلا كيف مع الإيمان بما دلت عليه من المعاني العظمية التي هي أوصاف الله عزَّ وجلَّ".
لا حكم إلا لله
ومن الأسس التي ارتكز عليها فكر سماحته أنه لا حكم إلا لشرع الله الذي يرسي قيم العدل والخير والمساواة بين البشر بلا ضيم ولا حيف ولا انحراف ولا ظلم..
ويشير سماحته في هذا الصدد إشارة ذكية حين يتناول تفسير ابن كثير لقوله تعالى : {وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحدا}(التوبة الآية 31) إذ يقول:
"ابن كثير يقول في تفسير تلك الآية أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام وما حله فهو الحلال .. وما شرعه اتبعه .. وما حكم به نفذ .. لا إله إلا الله سبحانه عما يشركون".
وينعى سماحته تحكيم بعض الدول الإسلامية للقوانين الوضعية وإدارة ظهرها لشرع الله ويقول:
"إن التحاكم إلى الطواغيت والروساء والعرافين ونحوهم ينافي الإيمان بالله عزَّ وجلَّ وهو كفر وظلم وفسق".
"إن الحكم بغير ما أنزل الله حكم الجاهلية وإن الإعراض عن حكم الله تعالى سبب لحلول عقابه وبأسه الذي لا يرد عن القوم الظالمين".
ويستشهد سمحته بقوله تعالى : {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ* أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}(المائدة آية 49 – 50).
ويوضح سماحته مدلولات الآيات وما أكدته من ضرورة التحاكم إلى ما أنزل الله ويفصلها في ثماني نقاط هي حسبما أوردها:
* الأمر بتطبيق حكم الله وشرعه في قوله تعالى : {وأن احكم بينهم بما أنزل الله}.
* ألا تكون أهواء الناس و رغباتهم مانعة من الحكم به بأي حال من الأحوال ... وذلك في قوله {ولا تتبع أهواءهم}.
* التحذير من عدم تحكيم شرع الله في القليل والكثير والصغير والكبير بقوله سبحانه وتعالى : { أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ}
* إن التولي عن حكم الله وعدم قبول شيء منه ذنب عظيم موجب للعقاب الأليم .. قال تعالى : { فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ}.
* التحذير من الاغترار بكثرة المغرضين عن حكم الله ف أن الشكور من عباد الله قليل ...يقول تعالى : { وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ}.
* وصف الحكم بغير ما أنزل الله بأنه حكم الجاهلية ... يقول : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ}.
* تقرير المعنى العظيم بأن حكم الله أحسن الأحكام وأعدلها .. يقول عزَّ وجلَّ : { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ }.
ومن الثوابت اليقينية لدى شيخنا أنه يجب على أئمة المسلمين وقادتهم تحكيم شرع الله في جميع شؤونهم.. وفي ذلك يقول:
* لا ريب أن الواجب على أئمة المسلمين وقادتها أن يحكموا الشريعة الإسلامية في جميع شؤونهم وأن يحاربوا ما خالفها وهذا أمر مجمع عليه بين علماء الإسلام".
وفي هذا الإطار يأتي تأكيده لرفض كل من يفضل حكماً غير حكم الله أو قانوناً سوى القوانين الإلهية .. ويقول سماحته:
"أجمع العلماء على أن من زعم أن حكم غير الله أحسن من حكم الله أو أن هدى غير رسول الله أحسن من هديه صلى الله عليه وسلم فهو كافر .. كما أجمعوا على أن من زعم أنه يجوز لأحد من الناس الخروج من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أو تحكيمه غيرها فهو كافر ضال".
وجوبية الدعوة إلى الله
من الثوابت الأساسية التي يرتكز عليها فكر سماحة الشيخ "ابن باز" وجوبية الدعوة إلى الله على كل مسلم حسب استطاعته وقدراته .. وانطلاقاً من هذا المبدأ نجد سماحته بعلمه وورعه وإيمانه كان ولا يزال صاحب الباع الأطول في هذا المضمار وليس أدل على ذلك من إسلام عدد كبير على يديه ونشاطاته المتنوعة في ميدان الدعوة .. هذا النشاط الذي اتسم بالوعي الكامل والدراية التامة بواقع الدعوة الراهن داخل وخارج العالم الإسلامي وما يواجهها من تحديات وكذلك إدراكه العميق للأساليب التي تتناسب مع هذا الواقع..
هذه الصورة لهذا المبدأ تبدو واضحة في قوله :
"في وقتنا الحاضر يسر الله عزَّ وجلَّ أمر الدعوة أكثر بطرق لم تحصل لمن قبلنا .. فأمور الدعوة اليوم متيسرة أكثر وذلك بواسطة طرق كثيرة .. وإقامة الحجة على الناس اليوم ممكنة بطرق متنوعة .. فمثلاً عن طريق الإذاعة وعن طريق التلفزة وعن طريق الصحافة .. وهناك طرق شتى.
فالواجب على أهل العلم والإيمان وعلى خلفاء رسول الله أن يقوموا بهذا الواجب وأن يتكاتفوا فيه وأن يبلغوا رسالات الله إلى عباد الله ولا يخشوا في الله لومة لائم .. بل يبلغون أمر الله إلى عباد الله كما أنزل الله وكما شرع الله..."
ثم يتحدث سماحته عن وجوبية الدعوة وارتباطها بالاستطلاع في قوله:
"وقد يكون ذلك فرض عين إذا كان في مكان ليس فيه من يؤدي ذلك سواك... فالواجب عليك أن تقوم بذلك .. وأما إذا وجد من يقوم بالدعوة والتبليغ والأمر والنهي غيرك أنه يكون حينئذ في حقك سنة .. وإذا بادرت إليه وحرصت عليه كنت بذلك منافساً في الخير وسباقاً إلى الطاعات ومما احتج به على أنها فرض كفاية قوله جل وعلا : {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} .. قال الحافظ بن كثير عن هذه الآية ما معناه : "ولتكن منكم أمة منتصبة لهذا الأمر العظيم تعو إلى الله وتنشر دينه وتبلغ أمره سبحانه وتعالى ".
"ومعلوم أيضاً أن رسول الله عليه الصلاة والسلام دعا الله وقام بأمر الله في مكة حسب طاقته – وقام الصحابة – رضي الله عنهم وأرضاهم بذلك حسب طاقتهم .. ثم لما هاجروا وقاموا بالدعوة أكثر وأبلغ .. ولما انتشروا في البلاد – بعد وفاته عليه الصلاة والسلام – قاموا بذلك كل على قدر طاقته وعلمه.
ويؤكد سماحته أنه في زمان استشراء الفتن وغلبة المعاصي وكثرة الذنوب تصبح الدعوة فرض عين على الجميع كل على قدر استطاعته ... وفي ذلك يقول:
"عند قلة العلماء وعند كثرة المنكرات وعند غلبة الجهل كحالنا اليوم تكون الدعوة فرض عين على كل واحد بحسب طاقته .. إذا كان هناك محل محدود كقرية ومدينة ونحو ذلك ووجد فيها من تولى هذا الأمر وقام به وبلغ أمر الله ... كفى وصار التبليغ في حق غيره سنة لأنه قد أقيمت الحجة على يد غيره ونفذ أمر الله على من سواه.. ولكن بالنسبة إلى بقية أرض الله وإلى بقية الناس يجب على العلماء حسب طاقتهم وعلى ولاة الأمر حسب طاقتهم أن يبلغوا أمر الله بكل ما يستطيعون .. وهذا فرض عين عليهم على حسب الطاقة والقدرة..
"وبهذا يعلم أن كونها فرض عين وكونها فرض كفاية أمر نسبي يختلف .. فقد تكون الدعوة فرض عين بالنسبة إلى أقوام وإلى أشخاص .. وسنة بالنسبة إلى أشخاص وإلى أقوام كان وجد في محلهم وفي مكانهم من قام بالأمر وكفى عنهم ".
ويوضح سماحته أن الأمر قد يختلف بالنسبة لولاة الأمر الذين يملكون السلطان والأدوات والإمكانات .. ويقول في حقهم :
"أما بالنسبة إلى ولاة الأمور ممن لهم القدرة الواسعة فعليهم من الواجب أكثر .. وعليهم أن يبلغوا الدعوة إلى من استطاعوا من الأقطار حسب الإمكان بالطرق الممكنة وباللغات الحية التي ينطق بها الناس .. فيجب أن يبلغوا أمر الله بتلك اللغات حتى يصل دين الله إلى كل فرد باللغة التي يعرفها".
ويرصد سماحته واقع الدعوة الراهن .. كما يحدد ملامح الأسلوب المناسب لهذا العصر .. ويقول:
"الناس اليوم في أشد الحاجة للدعوة وعندهم قبول لها بسبب كثرة الدعاة إلى الباطل وبسبب انهيار المذهب الشيوعي . وبسبب هذه الصحوة العظيمة بين المسلمين .. فالناس في إقبال على الدخول في الإسلام والتفقه في الإسلام حسب ما بلغنا من سائر الأقطار.
"ونصيحتي للعلماء وللقائمين بالدعوة أن ينتهزوا هذه الفرصة وأن يبذلوا ما في وسعهم في الدعوة غلى الله وت عليم الناس ما خلقوا له من عبادة وطاعته مشافهة وكتابة وغير ذلك بما يستطيعه العالم من خطب الجمعة والخطب الأخرى في الاجتماعات المناسبة وعن طريق التأليف وعن طريق وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية.
"فالعالم أو الداعي إلى الله – جل وعلا – ينبغي أن ينتهز الفرصة في تبليغ الدعوة في كل وسيلة شرعية وهي كثيرة والحمد لله .. فلا ينبغي التقاعس عن البلاغ والدعوة التعليم".
"والناس الآن متقبلون لما يقال لهم من خير وشر . . فينبغي لأهل العلم بالله ورسوله أن ينتهزوا الفرصة ويوجهوا الناس على أساس متين من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام و أن يحرص كل واحد من الدعاة على أن يكون قد عرف ما يدعو إليه عن طريق الكتاب والسنة وقد فقه في ذلك حتى لا يدعو عن جهل .. بل يج بأن تكون دعوته على بصيرة .. قال تعالى : {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة} (يوسف،آية 108).
"فمن أهم الشروط أن يكون العالم أو الداعي إلى الله على بصيرة فيما يدعو إليه وفيما يحذر منه .. والواجب الحذر من التساهل في هذا فلا يدعو إلى باطل ولا ينهى عن حق .. فالواجب التثبت في الأمور وأن تكون الدعوة على علم وهدى وبصيرة في جميع الأحوال .
ويحدد سماحته – في إطار الدعوة – الأخلاق والصفات التي يجب أن يتحلى بها من يتصدى للدعوة إلى الله .. ويذكر منها:
* الإخلاص حيث يجب على الداعية أن يكون مخلصاً لله عزَّ وجلَّ ولا يريد رياء ولا ثناء الناس ولا حمدهم – إنما يدعو إلى الله يريد وجهه عزَّ وجلَّ كما قال سبحانه {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله}.. ويقول أيضاً : {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله}.
* العلم: حيث يجب على الداعي أن يكون على بينة من دعوته وعلى علم .. ولا يكون جاهلاً بما يدعو إليه {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة} فلا بد من العلم ..والعلم فريضة .. وإياك أن يدعو الداعية على جهالة أو يتكلم فيما لا يعلم ، فالجاهل يهدم ولا يبني ويفسد ولا يصلح.
* الأخلاق الحميدة : وعلى الداعي أن يتصف بالأخلاق الحميدة والصفات الخلقية التي تمكنه من أداء واجبه عن اقتناع وإيمان .. فالداعي يجب أن يكون حليماً في دعوته رقيقاً فيها متحملاً صبوراً كما فعل الرسل عليهم الصلاة والسلام .. قال تعالى : {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}.. ويقول أيضاً: {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} .. وعليه فيجب أن يتحلى الداعية بصفات وسجايا أخلاقية طيبة فيكون حليماً صبرواً .. سلس القياد .. لين الكلام طيبه .. وأن يكون القدوة والمثل الطيب .. فلا يدعو لشيء ثم يتركه .. أو ينهى بأمر ثم يرتكبه .. يقول تعالى : {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} (الصف:آية 2 ، 3).
حتمية مواجهة الغزو الثقافي والفكري
إذا كان الإيمان وتحكيم شرع الله والدعوة الواجبة من الثوابت الفكرية لدى سماحة الشيخ "ابن باز" من هذ النوع من الفكر الذي يطلق عليه علماء الاجتماع "الفكر المنتج" فإن مبدأ حتمية المواجهة مع الغزو بكافة أشكاله الثقافية والفكرية يمكن أن نسميه الفكر التحصيني أي الذي يحصن البنية الأساسية ضد التحديات الخارجية ويتيح الفرصة أمام البناء كي يكتمل .
وسماحته في هذا الصدد أدرك تطور الأساليب الاستعمارية وانتقالها إلى مرحلة الاحتلال بالعسكر إلى مرحلة احتلال العقول حينما اصطلح على تسميته بـ"الغزو الثقافي والفكري".
وقد أجاد سم احته في رسم صورة واضحة لهذا الخطر القادم عبر الحدود .. إذ يقول:
"لا شك أن أخطر ما تواجهه المجتمعات الإسلامية في الوقت الحاضر هو ما يسميى بـ"الغزو الثقافي بأسلحته المتنوعة من كتب وإذاعات وصحف وغير ذلك من الأسلحة الأخرى .. ذلك أن الاستعمار في العصر الحديث قد غير من أساليبه القديمة لما أدركه من فشلها وعدم فعاليتها ومحاربة الشعوب واستماتتها في الدفاع عن دينها وأوطانها ومقدراتها وتراثها حيث أن الأخذ بالقوة وعن طريق العنف والإرهاب مما تأباه الطباع وتنفر منه النفوس ولا سيما في الأوقات الحاضرة بعد أن انتشر الوعي بين الناس واتصل الناس بعضهم ببعض .. وأصبح هناك منظمات وهيئات كثيرة تدافع عن حقوق الشعوب وترفض الاستعمار عن طريق القوة وتطالب بحق تقرير المصير لكل شعب وأن لأهل كل قطر حقهم الطبيعي في سيادتهم على أوطانهم واستثمار مواردهم وتسيير دفة الحكم في أوطانهم حسب ميولهم ورغباتهم في الحياة وحسب ما تدين به تلك الشعوب من معتقدات ومذاهب وأساليب مختلفة للحكم مما اضطر معه إلى الخروج من هذه الأقطار بعد قتال عنيف وصدامات مسلحة وحروب كثيرة دامية.
"ولكن قبل أن يخرج من هذه الأقطار فكر في عدة وسائل .. واتخذ كثيراً من المخططات بعد دراسة واعية وتفكر طويل وتصور كامل لأبعاد هذه المخططات ومدى فاعليتها وتأثيرها وطرقها التي ينبغي أن تتخذ للوصول إلى الغاية التي يريدها".
"وأهدافه تتلخص في إيجاد مناهج دراسية على صلة ضعيفة بالدين مبالغة في الدهاء والمكر والتلبيس على خدمة أهدافه ونشر ثقافته وترسيخ الإعجاب بما حققه في مجال الصناعات المتلفة والمكاسب المادية في نفوس أغلب الناس .. حتى إذا ما تشربت بها قلوبهم وأعجبوا بمظاهر بريقها ولمعانها وعظيم ما حققته وأنجزته من المكاسب الدنيوية والاختراعات العجيبة ولا سيما في صفوف الطلاب والمتعلمين الذين لا يزالون في سن المراهقة والشباب اختارت جماعة منهم ممن انطلى عليهم سحر هذه الحضارة لإكمال تعليمهم في الخارج حيث يواجهون هناك بسلسلة من الشبهات والشهوات على أيدي المستشرقين والملحدين بشكل منتظم وخطط مدروسة وأساليب ملتوية في غاية المكر والدهاء .. وحيث يواجهون الحياة الغربية بما فيها من تفسخ وتبذل وخلاعة وتفكك ومجون وإباحية .
ويكشف سماحته في الإطار نفسه كافة أبعاد صناعة "التغريب" و"المستغربين" التي يمارسها الغرب ضد العقول المسلمة ويعري أسرارها وأدواتها في محاولة الإيقاع بصفوة المجتمع المسلم في شراك الإعجاب بالمنجزات العلمية وا لتقنية الحديث وصولاً إلى غاية أخرى لتحقيق ذات الهدف .. مشيراً إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه أولئك العائدون المحملون ببضاعة الغرب وإغراءاته .. ويقول:
"وهذه الأسلحة وما يصاحبها من إغراء وتشجيع وعدم وازع من دين أو سلطة قل من ينجو من شباكها ويسلم من شرورها .. وهؤلاء بعد إكمال دراستهم وعودتهم إلى بلادهم وتسلمهم المناصب الكبيرة في الدولة أخطر من يطمئن المستعمر بعد رحيله ويضع الأمانة المشينة في أيديهم لينقذوها بكل دقة بل بوسائل وأساليب أشد عنفاً وقسوة من تلك التي سلكها المستعمر.
وبعد أن قدم سماحته بالإسهاب والتفصيل خطورة الموقف في ظل الوقوع تحت وطأة الغزو الفكري والثقافي وكشف أساليب وأدواته يشير إلى الأسلحة الفعالة في المواجهة ويضف العلاج .. وفي هذا الصدد يقول : "أما الطريق إلى السلامة من هذا الخطر والبعد عن مساوئه وأضراره فيتلخص في إنشاء الجامعات والكليات والمعاهد المختلفة بكل اختصاصاتها للحد من الابتعاث إلى الخارج وتدريس العلوم بكافة أنواعها مع العناية بالمواد الدينية والثقافية والإسلامية في جميع الجامعات والكليات والمعاهد حرصاً على سلامة عقيدة الطلبة وصيانة أخلاقهم وخوفاً على مستقبلهم .. حتى يساهموا في بناء مجتمعهم على نور من تعاليم الشريعة الإسلامية وحسب حاجات ومتطلبات هذه الأمة المسلمة".

الرياض : 29 / 1 / 1420هـ
العدد : 11282