26 ربيع الأول 1439 هجري - الخميس 14 ديسمبر 2017 ميلادي

• مادة منتقاة تجمع المسائل التي تكثر الحاجة إليها في أبواب العقيدة والفقه والمعاملات من فتاوى الشيخ عبدالعزيز ابن باز، جمع وترتيب القسم العلمي بمؤسسة ابن باز الخيرية.

الشيخ ابن باز مواقفه اتسمت بالأدب الجم والاعتدال مدرسة متفردة في الفتوى تقوم على إتباع الدليل دون تعصب لمذهب
انتقل إلى رحمة الله تعالى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام السعودية عن عمر يناهز 89 عاماً بعد سنوات حافلة بالعطاء . وولد الشيخ ابن باز في الرياض عام 1330 هجرية وحفظ القرآن الكريم قبل البلوغ ، وتلقى العلم في الرياض على عدد من المشايخ ومنهم الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ ، والشيخ سعد بن حمد بن عتيق والشيخ حمد بن فارس ، والشيخ سعد وقاص البخاري ، وسماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ .
وتولى الشيخ ابن باز الذي يعد من كبار العلماء المجتهدين في مجال الحديث والفقه ،القضاء في منطقة الخرج أربعة عشر عاماً ، ثم انتقل للتدريس في المعاهد والكليات العلمية ودرس الفقه والتوحيد والحديث في كلية الشريعة ، ثم أسندت إليه نيابة رئاسة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ، وصدر بعدها بتسعة أعوام أمر ملكي بتعيينه رئيساً للجامعة وظل في منصبه حتى عام 1395 هجرية حيث صدر أمر ملكي بتعيينه في منصب الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بمرتبة وزير .
وفي عام 1414هجرية عين مفتياً عاماً للمملكة ورئيساً لإدارة البحوث العلمية والإفتاء (بمرتبة وزير) ، كما شغل قبل وفاته منصب عضو هيئة كبار العلماء وعضو المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، وعضو الهيئة العليا للدعوة الإسلامية في المملكة ، ورئيس المجلس الأعلى التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي ، ورئيس المجلس الأعلى العالمي للمساجد ، ورئيس مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي .
ويعد ابن باز مثالاً للاعتدال ، فلا هو من المتشددين الذين يطلقون عبارات الشرك والكفر عن كل صغيرة وكبيرة ، ولا هو من المتساهلين الذين يغضون النظر عن كبائر الأمور ،كما أنه وعلى الرغم من تمكنه من فقه الحنابلة فقد عرف عنه عدم التعصب للمذهب .
ويعتبر الشيخ ابن باز أحد أبرز علماء الأمة الإسلامية في الوقت الراهن إن لم يكن أبرزهم قاطبة .
وقد نشأ بعد ولادته عام 1330هجرية 1910 ميلادية في شهر ذي الحجة بمدينة الرياض نشأة علمية مباركة حيث استطاع أن يحفظ القرآن قبل أن يصل إلى سن البلوغ ثم جد في طلب العلم على يد عدد من العلماء في الرياض أبرزهم الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله مفتي الديار السعودية سابقاً ... الذي لازمه الشيخ ابن باز في طلب العلم بحلقاته عشر سنوات تعلم فيها علوم الشريعة واللغة على يديه وهو الذي اختاره للعمل بالقضاء في مدينة الخرج عام 1357 هجرية 1937 ميلادية وقد مر في حياته بمصاعب كثيرة لعل من أبرزها تعرضه لمرض في عينيه عام (1346هجرية) أدى إلى ضعف بصره ثم فقدانه كلياً للبصر وكان عمره 20 عاماً وذلك في عام 1350 هجرية ولم يكن ذلك إلا شاحذاً له على مواصلة طلبه للعلم ولم يوقفه عن الاستمرارية والجد والعزيمة على الاستزادة من العلم .
ولم يكن وحيداً من علماء السعودية في فقده البصر فقبله كان مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد الله بن حميد مجلس القضاء الأعلى سابقاً والد عضو الشورى وإمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ د. صالح بن حميد وغيره كثير من العلماء الذين برزوا وأصبحوا علامات بارزة في العلم الشرعي في السعودية .
ولم يكن تتلمذه في طلبه للعلم على شيخ واحد ، بل تلقى العلم على عدد ليس بالقليل من العلماء وساهم هؤلاء العلماء في تكوين الشخصية العلمية لفضيلته حيث أصبح فيما بعد عالماً فذاً يشار له بالبنان ، ويرجع إليه الكثير من العلماء في بعض المسائل الشرعية إذا اختلفوا فيها . ويعود السبب في ذلك إلى أنه أصبح للشيخ ابن باز مدرسته الخاصة في التعليم والفتاوى التي تنطلق من أساس سليم يتعلق تعلقاً كبيراً بإتباع الدليل أينما كان ولذلك نجد أنه لم يلتزم بالمذهب الحنبلي وهو المذهب الذي كان عليه ولا يزال علماء المملكة العربية السعودية .. ولعل من أشهر المسائل التي ذاع صيته من خلالها في بداية مسيرته العلمية إفتاؤه في "مسائل الطلاق".
وكان خلال فترة عمله قاضياً بمدينة الخرم يلقي الدروس على طلابه وشهدت دروسه إقبالاً كبيراً من طلاب العلم بسبب ترتيبه للدروس في العقيدة وكتب الحديث الشريف وكتب الفقه والنحو وإضافة لذلك رتبت لهؤلاء الطلاب مساعدات شهرية على حساب المحسنين وأصبحوا متفرغين لطلب العلم .
وكان ذلك تشجيعاً لطلاب العلم على جهدهم واجتهادهم وقطعهم المسافات البعيدة لأخذ العلم .
واستمرار دروسه اليومية على ذلك المنوال عدا يومي الثلاثاء والجمعة وهي تنتقل معه أينما حل ، فإذا كان متواجداً بالرياض فإن هذه الدروس تقام يومياً بالجدول المعهود وأنى انتقل للعمل في الصيف إلى الطائف تتواصل هذه الدروس في أحد المساجد بها وكذا في مكة .. كما أنه قام بإلقاء الدروس بالمسجد النبوي بالمدينة المنورة في عام 1381 هجرية عندما كان نائباً لرئيس الجامعة الإسلامية ثم رئيسا لها بعد وفاة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله الذي كان رئيساً للجامعة وانتفع بعلمه جمع كبير من طلاب العلم بالمدينة المنورة ، وكان قبل ذلك قد عمل بالتدريس بالمعهد العلمي بالرياض تاركاً مدينة الخرج وبعد عام واحد كان أحد الذين تم اختيارهم للتدريس بكلية الشريعة بالرياض بعد إنشائها عام 1373 هجرية وعمل بها حتى عام 1381 هجرية إلى أن انتقل للعمل بالجامعة الإسلامية "كنائب للرئيس .
ثم رئيساً لها حيث صدر أمر ملكي بتعيينه رئيساً لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بمرتبة وزير بعد أن كان قد أمضى خمس سنوات كرئيس للجامعة الإسلامية وذلك في شوال عام 1395 هجرية .
وقد ظل حتى وفاته رئيساً لها وقد اندرجت إدارتا الدعوة والإرشاد ضمن وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد وأصبح رئيساً لإدارة البحوث العلمية والإفتاء .
وفي محرم من عام 1414 هجرية تم تعيينه مفتياً عاماً للمملكة العربية السعودية ولا يزال حتى وفاته .
ومرت به خلال مسيرته الحياتية والعلمية العديد من المواقف التي مسته شخصياً وأخرى تمس الدين وهذا الأهم وكان له فيها دور واضح .
كما كانت للشيخ ردود على بعض العلماء في بعض المسائل الفرعية كحجاب المرأة .
ويجد المتابع والقارئ لما كتبه الشيخ من ردود تجلي الأدب الجم له ورفعه من مستوى من يرد عليه إن كان من أهل العلم والفضل وعدم الإقلال من شأنه إن كان مغالطاً للحقيقة .
وهذا يبين معدن هذا الرجل والتزامه بمنهج السلف الصالح في تعامله ، حتى أن الكثيرين قالوا عن الشيخ أنه من بقية السلف يعيش بيننا .. حياته بسيطة جداً رغم ما تمتع به من مكانة كبيرة ومنزلة جعلها الله له في الأرض فهو يبدأ يومه بدروسه اليومية يستقبل في بعض الأيام زواره ومستفتيه ويجب على أكثر الأسئلة الموجهة إلى جانب رده على الهاتف عند ورود مكالمات يرغب أصحابها منه أن يفتي لهم .
كما أنه كان يستمع يومياً إلى نشرة الأخبار عن العالم بالتفصيل ويظهر تأثره عند سماعه أمراً يضر بالمسلمين .
وهذا يتضح جلياً في ما يكتبه ويفتي به من مساعدة المسلمين الذين يتعرضون لمآس كمسلمي البوسنة وقبلها أفغانستان وحالياً مسلمي كوسوفا.

الأربعاء : 4 / 2 / 1420هـ
العدد : 13178