29 ربيع الأول 1439 هجري - الأحد 17 ديسمبر 2017 ميلادي

• مادة منتقاة تجمع المسائل التي تكثر الحاجة إليها في أبواب العقيدة والفقه والمعاملات من فتاوى الشيخ عبدالعزيز ابن باز، جمع وترتيب القسم العلمي بمؤسسة ابن باز الخيرية.

أسرار يكشفها إمام ابن باز بمكة المكرمة منزل ابن باز المعروف بمكة مستأجر .. ورفض الشيخ أن يمتلكه
أوضح الشيخ الدكتور ناصر مسفر الزهراني إمام وخطيب مسجد الشيخ ابن باز بمكة المكرمة مناقب عديدة لسماحة الشيخ ابن باز وقال في حديث خاص عن سماحته بداه بشيء من شعره:
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر * فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
يعزون عن شيخ تعزى به العلى * ويبكي عليه العلم والحلم والفكر
وما كان إلا مال من قل ماله * وذخراً لمن أمسى وليس له ذخر
مضى طاهر الأثواب لم تبق روضة * غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
ثوى في الثرى من كان يحيا به الثرى * ويغمر صرف الدهر نائله الغمر
وقال العلماء هم ورثة الأنبياء وقدوة الأتقياء ، هم في الأرض كالنجوم في السماء والضياء في الظلماء والدواء للداء . فضلهم ظاهر وسلطانهم قاهر ودليلهم باهر . يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله تعالى الموتى ، ويبصرون بفوزه أهل العمى ، يتوقون عن دينه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، هم أرحم بالأمة من الآباء والأمهات لأن الآباء والأمهات يحفظون أبناءهم من نار الدنيا وأوصاب الحياة والعلماء يحفظوهم من نار السعير وتعاسة المصير .
كنز الملة
استشهد بهم المعبود على أعظم مشهود {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ}(آل عمران: من الآية18). فهم كنز الملة وحفاظ السنة وحملة الشريعة ، أهل الجاه يذهب قدرهم بذهاب جاههم ، وأهل المال تموت قيمتهم بموتهم ، أما العلم فلا ينتهي سببه ، ولا ينقطع نسبه ، فهم في الهدى سادة ، وفي الخير قادة ، يقتدى بأفعالهم وأقوالهم ، رفعهم الله قدراً ، وأعظم لهم أجراً ، نشر لهم ذكراً ، : "إن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، والله جل جلاله يصلي عليهم وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في حجرها ، وحتى الحوت في الماء ، فهم الذين يخشون الله حق خشيته ، ويعرفونه حق معرفته {إنما يخشى الله من عباده العلماء} ومن أراد النظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء . ولحوم العلماء مسمومة ، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة ، ومن أطلق لسانه في العلماء بالثلب ، بلاه الله قبل موته بموت القلب ، فهم الأمناء على الوحي ، المبلغون عن الله ورسوله ، الحفاظ للشرع الناصحون للأمم . فالعلم هاد للأمم ، وهو حياة القلوب ونور البصائر وشفاء الصدور ورياض العقول ولذة الأرواح وأنس المستوحشين ودليل المتحيرين ، به يعرف الله ويعبد ، ويذكر ويوحد ويحمد ويمجد مذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد وطلبه قربة وبذله صدقة ومدارسته تعدل بالصيام والقيام ، والحاجة إليه أعظم من الحاجة إلى الشراب والطعام .
وإن فقد العالم رزية ، وموت الفقيه بلية ، وإذا رحل عن الدنيا عالم عامل فقد جرحت الأمة في القلب وأصيبت في المقتل .
قال صلى الله عليه وسلم : "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً من الناس ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا".
ولقد زرئت أمة الإسلام في هذه الأيام بفقد الإمام الأجل ، والعالم الأمثل إمام أهل السنة وشيخ أنصار الحنيفية فاهتزت الأرض لفقده وذعرت أمة الإسلام لفراقه وسابقت لتشييع الجموع ونثرت عليه بحار الدموع فهو صفوة أهل الأرض في هذا الزمن ، وخير من طلعت عليه الشمس في هذا العصر كما نحسبه والله حسيبه :
حقاً فقد عرف التاريخ كوكبة * مضيئة من صناديد وأبطال
مثل ابن حنبل أو مثل ابن تيمية * أو البخاري في إسناده العالي
لكننا يا حبيب القلب نبصرهم * كأنهم مثلوا في شخصك الغالي
وقال : وإننا ربما لا نضيف جديداً في الكلام عن سماحته – رحمه الله – فقد أترعت الصحف ، وملئت المجلات وبث في القنوات ما يشهد بعظيم شأنه ورفعة مكانه ومهما قيل ويقال فهو قليل في حقه قاصر عن واجبه .
فقد أمست صفاته ومناقبه نجوماً تزهر وبدوراً تضيء وأحاديث تتلى وشمائل تردد أصبحت درراً رصع بها جبين الزمان وتوج بها هام العصر .
وإن ما رأيناه من حب للشيخ وبكاء عليه وحزن لفقده من الكبير والصغير هو علامة خير ودليل رشاد وإمارة فلاح .
ليس زيادة في التباكي
وليس حديثي عن الشيخ مجاراة للواقع أو زيادة في التباكي أو إثارة لمشاعر الحزن وكوامن الأسى أو لاستدرار الدموع واستجداء النحيب ليس إلا ، فلا شك أن القلوب متفطرة والأنفس متحسرة والدموع واكفة وحق لها ذلك ولكن هل ذلك هو الهدف وهل هذا هو القصد وهل بذلك نعتبر قمنا بالواجب ، وأدينا الأمانة ونصحنا الأمة وكشفنا الغمة . إن المسألة ليست دموعاً تنثر وأحزاناً ترقق بها المجالس ، وتستجدى بها الدموع ويقطع بها الفراغ ، إن هذا أسلوب عجائزي ، وتأثر تقليدي وموقف سلبي يجب إن كنا نحب الشيخ ونجل العالم ونقدر العابد ونحترم المنهج الذي يحمله أن يكون موقفنا كما قال القائل : "إذا مات منا سيد قام سيد".
إن الصادق في حزنه وللتأثر من قلبه هو الذي يدفعه ذلك التأثر ، ويقوده ذلك الحزن ، وينطلق به ذلك الحب إلى آفاق أوسع ، وآماد أبعد ، وآمال أعظم فيجزم على حمل الراية ، ويصمم على سلوك النهاية ، ويعزم على خوض غمار الجد ، ينهج نهج الشيخ ، ويحذو حذوه ، ويقتفي أثره ، ويسير على منواله فما أوجد الله في الأمة هؤلاء الأعلام إلا ليقتدى بهم ، ويسار على أثرهم ، وتتبع خطهم ، ويكونوا حجة على الناس ، شهوداً على الزمان .
فالعجب لا ينقضي من عين تبكي لفقد العالم العامل ،وهي ما غضت عن النظر المحرم ، ومن لسان يتباهى بالحديث عن الشيخ ، وهو لم يحفظ عن الزور والبهتان، ومن رأس يطرق ويطأطئ حزناً على الشيخ وهو محشو بالترهات مليء بالخرافات ، ومن قلب يتابكى على الشيخ وهو معلول مريض أسود مظلم كالكوز مجخياً ، ومن قلم يتأنق في عبارات العزاء ويتفنن في أساليب الرثاء ، وهو لا يرعوي عن بث سمومه ، وعن نشر باطله، ومن عالم يعظ المناسب بمواقف الشيخ ، ويتغنى لهم بشمائله ويسرد لهم صفاته ، ثم لا يحدث نفسه أن يقتبس من تلك الصفات ويعمل بتلك العظات ، فأي تناقض هذا بل أي خذلان {كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}.
يا محبي سماحة الشيخ رحمه الله . يا محبي الكتاب والسنة التي عاش خادماً لها . تعالوا لتدارس شيء من صفاته وتعلم طرف من حياته :
وصفات ذات منك يأخذها الورى * في المكرمات فكلها أسماء
وتجمعت فيك القلوب على الرضى * وتوافقت في حبك الأهواء
وقال : لم يكن للشيخ رحمه الله مؤلفات كثيرة ، وكتب متنوع توازي هذا العمر المديد المبارك الذي عاشه ، ولكنه أمة وحده , وجامعة بمفرده ، يعلم أن المسألة ليست فيما تخطه الأقلام ، بل بما تسير عليه الأقدام ، وتصدح به الأفهام ، يعلم أن الأمة ليست بحاجة إلى كثرة التأليف بل بحاجة إلى العلم الحنيف ، الذي يضرب لها قدوة بفعله الشريف ، و رأيه الحصيف ، وليست المسألة كما قد يظن هي في تحقيق المسائل وتمحيص الرسائل وتأليف المجلدات في جو مغلق ومكتب مقفل وعزلة منقطعة فقط ، بل لا بد مع ذلك من القدوة الحسنة ، ,السيرة المباركة ، والأثر المحمود ، والخروج للأمة، ومع ذلك فقد ترك رحمه الله علماً جماً ، وتراثاً هائلاً ، ولو جمع كل ما ألفه الشيخ وأفتى به وأرسل به ووجه لاحتاج إلى مئات المجلات .
قد يؤلف أناس كتباً في الزهد وهم قد أكلوا الأخضر واليابس ، وقد تؤلف كتب عظيمة في وجوب الوحدة ، ولم الشمل ، وإتباع جماعة المسلمين ، ثم تجد واقع المؤلف مخالفاً لما يكتب ، فهو مفرق للآراء ، مبدد للجماعات ، متعصب متحزب ، أما الشيخ – رحمه الله – فلم يكن يعرف شيئاً من هذا ، لم يكن متحيزاً لفئة ، ولا متحرفاً لقتال جماعة ، ولما علم الله صدق سريرته ونقاء نيته جمع القلوب على حبه وألف الناس إليه . لم يكن الشيخ يريد بدعوته نفسه أو جماعته أو فئته ، بل كان يريد وجه الله تعالى : {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني".
وقد يسطر أناس رسائل في حرمة المسلم والبعد عن الغيبة والنميمة وهم ينهشون لحوم الناس ، ويقعون في أعراضهم ، ويتبعون زلاتهم ويتصيدون أخطاءهم ، وأين ذلك من مجلس الشيخ الذي تحرم فيه الغيبة ، ويمتنع فيه النيل من مسلم ، فضلاً عن داعية أو عالم أو ناصح ، ولقد رأيته – رحمه الله – في مرة من المرات ، وكان الحديث عن داعية بدرت منه بعض الملاحظات ، فزل لسان أحد المشايخ الذين يحبهم الشيخ ، زل لسانه بكلمة في ذلك الداعية ، فغضب الشيخ غضباً شديداً وثار في وجه المتكلم ، فيا الله من مجالس كثير من الناس اليوم ، بل من صلحاء الناس ، بل من الدعاة ، كم من داعية ينال ، وكم من عالم يهان ، وكم من مسلم ينهش عرضه ، ولا لسان ينكر ولا وجه يتمعر .
صفات عظيمة
إن من أهم الصفات العظيمة التي وصلت بسماحة شيخنا – رحمه الله – إلى هذه المنزلة السامقة والرتبة العالية هي ما يلي :
* العلم الصحيح والفكر القويم المستمد من الكتاب وصحيح السنة مع البعد عن البدع والمنكرات والتعصبات .
* الإيمان العميق والعقيدة الراسخة في الله ورسوله وكتابه ودينه ، مع إيمان جازم ويقين وثيق.
* النصح الصادق لكل مسلم ، لقد كان الشيخ صادقاً مع نفسه صادقاً مع أهله صادقاً مع طلابه ، صادقاً مع ولاة الأمر وذوي السلطان ، فالشيخ – رحمه الله – لا يقول إلا ما يؤمن به ، ولا ينطق إلا ما يعتقد ، ولذلك فإن ما يمكن أن يدعو به لملك أو يثني به على أمير لا ينافقه به في وجهه أو يتزلف به في منتدى لأجل حضوره فيه ، فما قال في العلن يقوله في السر ، وما يعتقده سراً يصدح به جهراً ، فليس لذرة من محاباة أو مجاملة كاذبة ، أو نفاق طريق إلى قلبه .
* والولاية العظيمة ، فهو عابد من العباد ، ولي من الأولياء ، قدوة للأتقياء ، كثير العبادة ، دائم الذكر والتسبيح ، سريع الدمعة ، رقيق القلب ، خاشع النفس .
ويضيف : قال لي أحد الملازمين لسماحته في سر توفيق الشيخ ونجاحه ، وبصيرته الثاقبة في كثير من المعاملات وا لآراء والمواقف ، قال : ما ظنك برجل يبيت يناجي ربه ويدعو ويرجو ويهتف ويبكي ثم إذا ارتفع النداء بادر إلى المسجد ثم صلى الفجر في خشوع وخضوع ثم أتى بكامل الأوراق ، ثم يبدأ بقراءة المعاملات ، والنظر في حاجات الناس ، ثم قراءة بعض مسائل العلم ، ثم قبل أن يخرج من بيته وهو كامل طهره ووضوءه ، يتطهراً متطيباً متسوكاً ، يتجه إلى الله تعالى ويدعوه أن يحفظه وأن يعينه ، وأن لا يكله إلى نفسه طرفة عين ، أليس مثل هذا حرياً بأن يكون التوفيق حليفه ، والنصر ربييه. وأجزم لو أن الشيخ علم أنه سيموت في اليوم المحدد والوقت المحدد ما زاد في عمله شيء فكل وقته لله وبالله وفي الله ومع الله .
* الزهد في الدنيا وحطامها ، فما كان والله يلقي لها بالاً ، ولا يقيم لها شأناً ، ولا يحسب لها حساباً ، أعرض عنها مستعلياً عليها ، فأقبلت إليه وهي راغمة ، إن هذا الشيخ ليس فيه من صفات أهل الدنيا إلا أنه يعيش بينهم وإلا فأنت والله ترى رجلاً من أهل الآخرة قلبه هناك ، وفؤاده هناك ، يجلس إلى الناس وقلبه في الملأ الأعلى ، ويتحدث معك وروحه مع خالقه.
إذا كان حب الهائمين من الورى * بليلى وسلمى يسلب اللب والعقلا
فماذا عسى أن يفعل الهائم الذي * سرى قلبه شوقاً إلى الملأ الأعلى .
أتيته في يوم من الأيام فأخذت أتوسل إليه وأترجاه وأحاول معه أن يوافق لي على السعي في شراء هذا المنزل الذي بمكة فهو ليس له بل هو مستأجر فحاولت إقناعه وقلت له : لا أريد منك إلا الموافقة والباقي علي . فقال لي : اصرف النظر عن هذا الكلام أي شيء تحتاجه مني من مساعدة أو شفاعة للمسلمين فلا تتردد أما لي أنا فلا .
* الكرم الفياض ، كرم لم تعرف الناس له مثيلاً ، وجود ما رأينا له ضريباً ، خير دائم ، ومائدة ممدودة ، وأبواب مشروعة ، ووجه متهلل ، دون بذخ أو إسراف أو مباهاة أو تبذير .
ومما يميز كرمه – رحمه الله أنه لم يكن لعلية القوم أو الصفوة من الناس ، بل هو كرم يناله الفقير قبل الغني ، وللعدم البائس قبل صاحب النعمة ، والمتطقع الغريب قبل الأمير والوزير ، لقد ضاعت أخبار حاتم وتضاءلت قصص الجود ، أمام جوده الفذ وكرمه الفياض :
وحاتم في عطاياه وجودته * في بحركم لا يساوي عشر مثقال
في الجود مدرسة في البذل مملكة * في العلم نابغة أستاذ أجيال
سلامة الصدر ، فلا غش ولا غل ولا حقد ولا حسد ، ولا يغضب لنفسه ، ولا ينتقم لذاته ، ولا يحمل في نفسه .
لم ينتقص أحداً لم يمتلئ حسداً * لم يفتتن أبداً بالمنصب العالي
* القيام بالمسؤولية ، والصدق في حمل الأمانة ، فالشيخ – رحمه الله – يعلم أنه مسلم وأن عليه أمانة عظيمة ثم هو عالم وعليه أمانة عظيمة ، ثم هو موظف مسؤول يتقاضى أجره فعليه أمانة عظيمة ، فأتى بما طلب منه وأضعاف أضعافه ، وقت الدوام الرسمي لا يخرم منه دقيقة ، كان إذا كان في اجتماع ، أو عمل خارج إدارته ، ففرغ منه يسأل عن الساعة فإذا بقي ولو نصف ساعة عن نهاية الدوام يعود إلى مكتبه ، ويكمل بقية دوامه ، وهذا والله رأيته أنا عدة مرات . ومع ذك فوقت الشيخ كله دوام ، وليلته في خدمة المسلمين .
إن صاحب الحاجة لا يتعب في الوصول إلى الشيخ ، يأتي الإنسان لديه مشكلة أسرية قضية شخصية أو فتوى شرعية ، فإن لم يجد الشيخ في العمل ذهب إلى بيته فتغدى معه ، وعرض عليه أمره ، فإن لم يكن قابله في العصر ، وقضى له حاجته ، أتى إليه من المغرب إلى العشاء في بيته . فإن لم يمكنه أتى بعد العشاء فتعشى معه وعرض قضيته ، فإن لم يمكنه أتى إليه بعد الفجر فهو يجلس إلى حوالي الساعة الثامنة .
ويقول د. ناصر : لقد رأيته – رحمه الله – في الأيام الأخيرة من حياته ، وهو على عمله الدؤوب . وصبره العظيم ، بل يزيد ولا ينقص ، في ليلة من الليالي صلى المغرب ثم ألقى درساً ، ثم صلى العشاء . ثم عاد إلى البيت ليستقبل عدداً من حالات الطلاق ، استنفذت من وقته أكثر من ساعة ، ثم قام لموعد مع عدد من الأطباء بالجامعة لديهم أسئلة واستفسارات ، ثم انتهى منهم ، وألقى محاضرة في مدينة أخرى عن طريق الهاتف ، كل هذا الجهد والعمل فقط من المغرب إلى ما قبل النوم ، دعك من بقية النهار ، وهو مريض منهك ، المرض يفتك بجسمه ، والوباء يلتهم أحشاءه ، ولم يبق منه إلا جلد على عظم ، وفي الليلة التي توفي فيها – رحمه الله – كان جالساً للناس من المغرب للعشاء ، وأفتى في بعض المسائل بعد العشاء وجلس إلى أهله وأبنائه ، ثم في الثلث الأخير من الليل وهو في مصلاه يذكر ربه ويسبحه ويحمده ويمجده : سافرت الروح إلى بارئها وغادرت الروح الطاهر هذه الدنيا بأتعابها وأوصابها ، سافرت في ليلة الخميس ، لأنه كان يستحب السفر كل اثنين وخميس فسافر إلى مولاه ، وأجاب رب دعاه – رحمه الله ، رحمه الله ، رحمه الله .
سئلت مرة أن أتكلم في وصف الشيخ بإيجاز فقلت : الشيخ هو الإسلام ، وأنا أعي وأعني ما أقول ، إذا أردت أن تنظر إلى الإسلام واضحاً نقياً ، بيناً جلياً فانظر إلى حياة هذا الشيخ وسيرته . كان صلى الله عليه وسلم قرآناً يمشي بين الناس ، وكان الشيخ – رحمه الله – قرآنا وسنة يمشي بين الناس ، ومها قيل ويقال ، ومهما روي ويروى ، فهو أقل من القليل:
ولو كتبت بدمع العين ملحمة * في فجعه جئتكم في ثوب معتذر
لم أستطع أن أجلي عشر عاطفتي * في حبه ولا عشراً من العشر

المدينة : 6 / 2 / 1420هـ
العدد : 13180