24 ربيع الأول 1439 هجري - الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 ميلادي

• مادة منتقاة تجمع المسائل التي تكثر الحاجة إليها في أبواب العقيدة والفقه والمعاملات من فتاوى الشيخ عبدالعزيز ابن باز، جمع وترتيب القسم العلمي بمؤسسة ابن باز الخيرية.

ورحل الوالد العلامة
ودع المسلمون في المملكة وفي أنحاء العالم يوم الخميس الماضي 27/1/1420هـ سماحة الوالد العلامة المفتي العام للمملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز ابن باز – يرحمه الله وأسكنه فسيح جناته مع الشهداء والأبرار – وقد بكاه الجميع صغارا وكبارا ، نساء ورجالا ، وحزنوا عليه حزنا عميقا ، وحق لهم أن يحزنوا على هذا الرجل العظيم الذي شربوا محبته مع الماء واستنشقوها مع الهواء لأن الله قد نشر له القبول في الأرض ومن عليه بصفات يندر أن تجمع في غيره ، فتغلغل حبه في سويداء القلوب ، وانعقد الإجماع على إمامته وريادته ، وكان إجماعا عالميا ما عرف له نظير في هذا العصر ، لكنه لم يتحقق بسهولة ، ولم يكن نتيجة مجاملة أو محاباة ، أو رغبة أو رهبة ، وليس وليد يوم أو يومين أو عام أو عامين ، وإنما هو حصيلة حياة جادة دامت أكثر من ثمانين عاما كلها جهد وجهاد ، وصبر ومصابرة ، وجد ومثابرة وعلم وعمل ،وصلاح وإصلاح ، وزهد وورع ،وإيمان وتقوى وطاعة وعبادة ، وبذل وتضحية ، ونبل وكرم ، وحلم وحزم ، إلى غير ذلك من الصفات الحميدة التي لا يخطر في بالك صفة منها إلا ووجدتها متمثلة حية في حياة الشيخ وسيرته والذي يريد أن يكتب عن الشيخ – رحمه الله – يجد نفسه أما موسوعة شاملة ، وحياة عامرة حافلة ، لا يدري من أين يبدأ ، ولا أين ينتهي ، وكل خصلة من خصاله الحميدة يمكن أن يؤلف فيها كتاب ، ولذا فإني سأقتصر على جانب واحد ، وهو : منهجه – رحمه الله – في نشر العلم وحرصه على ذلك وصبره وجلده عليه واستثماره كل دقيقة من وقته في هذا المجال ،بحيث لا تراه إلا معلما أو موجها أو فقيا أو ناصحا ، عبر الهاتف أو الإذاعة أو الصحف والمجلات أو دروسه اليومية في المساجد أو محاضراته العامة في المساجد أو النوادي أو المدارس والجامعات أو في مجالسه الخاصة أو العامة أو الاحتفالات الرسمية التي يتاح له المشاركة فيها بكلمة ، وفي أي مجال ومكان يوجد فيه الشيخ ، ولا يكاد يوجد في برنامجه اليومي وقت لغير ذلك، حتى للحديث العادي المباح خوفا من أي يجر ذلك إلى لغو ربما كان ضرره أكثر من نفعه ، ويذكر عنه – رحمه الله – أنه ما إن يسمع من أحد جلساته لغوا أو غيبة أو نحو ذلك حتى يبادره قبل أن يكمل ويقاطعه قائلا له : سبح سبح ! أي أشغل نفسك بالتسبيح عن هذا الكلام المرذول ، ويروى عنه – رحمه الله – في بذل العلم وصبره على الناس واستثمار الوقت في ذلك قصص بعضها لا يكاد يصدق – سأورد بعضا منها – ولولا أننا معاصرون للشيخ ونعرف عنه ذلك لوجدنا أن بعضها غريبة : ولذا فإننا لا نستغرب أن تصفنا الأجيال التي بعدنا بالمبالغة في بعض ما تحدثنا به عن الشيخ ،كما أننا نصف بالمبالغة بعض الأخبار التي وصلتنا عن بعض علماء السلف ،وإن كانت حقيقة ،لكن المثل الذي يقول : " ليس راء كمن سمعا" له نصيب من الصحة بلا شك .
أما منهج الشيخ في نشر العلم فإنه قائم على الكتاب والسنة حسب فهم السلف الصالح ، فهو إذن منهج سلفي أثري معتدل ، وأبرز سماته الدوران مع النص حيث دار مع التوسط والتوازن والاعتدال ، والتوسط والتوازن والاعتدال من أبرز صفات الشيخ وخصاله الحميدة في كل أموره : في الحب والبغض ، والمدح والقدح ، حتى مع المخالفين ، فإنه ينصفهم ويترفق بهم ويبين ما عندهم من الخير ولا يسكت عن باطلهم بل ينبههم إليه وينصحهم ويوجههم ، وقد سئل أكثر من مرة في مجالس حضرتها عن بعض الجماعات والطوائف وذكر له ما عند بعضها من مخالفات ، فأنصت للسائل ثم علق على كلامه محذرا من هذه المخالفات ثم وجه نصيحة لهذه الجماعة ووجههم ودعا لهم بالتوفيق والهداية ، ثم أشاد بما لديها من محاسن وفضائل لم يشر لها السائل . وهذا دأبه – رحمه الله – فلا يحمله كراهة ما عند المخالف من الأخطاء على عدم العدل والإنصاف .
ومن صور بذله العلم واستثماره كل فرصة سانحة في ذلك ، أنه يحب الاختلاط بالناس وغشيان مجالسهم ، ويستجيب للدعوات الخاصة حتى من صغار تلاميذه ، لكنه يعمر المجلس الذي يحضره بالعلم والذكر والطاعة ، ولا يعطي فرصة لأي حديث مهما كان عاديا يسيرا ، وقد حضرت عددا من هذه الدعوات في منازل بعض المشايخ والزملاء والأصدقاء من طلاب العلم ، وما أن يصل الشيخ – رحمه الله – إلى المجلس ويأخذ مكانه في صدره ثم يسلم عليه جميع الحاضرين فيجيبهم واحدا واحدا ويحتفي بهم كل فرد باسمه في الغالب ، حتى يسأل – رحمه الله – صاحب المنزل إن كانوا قبل مجيئه يتحدثون في موضوع أو قضية علمية أم لا ، فإن قال المضيف : نعم ، سمع سماحته منهم ثم قال كلمة الفصل في ذلك ، وإن قال المضيف : لا ، طلب سماحته من مرافقه أن يقرأ في كتاب معه ، ثم يعلق الشيخ على ذلك ، أو يطلب من أحد الحاضرين أن يقرأ ما تيسر من القرآن ، ثم يتولى سماحته شرح هذه الآيات وتفسيرها واستنباط الأحكام والدروس منها بصورة موجزة ولا يطيل إطالة مملة ، فإن بقي في الوقت متسع قبل الطعام فتح المجال للأسئلة والفتاوى إلى أن يقوموا للطعام ،وبعد الطعام يودع الجميع وينصرف ، ولا أذكر أنه عاد للجلوس بعد الطعام .
ومن صور بذله للعلم وحرصه أن يستثمر تلك الدقائق التي تضيع عادة ولا يأبه الناس بها كمسافة الطريق بين البيت والمسجد على القدمين أو في السيارة بل ما هو من ذلك كالوقوف أمام المغسلة بعد الغداء أو العشاء ،
وأذكر أنني مرة تناولت الغداء في منزل سماحته وكننت مرافقا لوفد من مسلمي أمريكا برئاسة الإمام وارث الدين محمد ، وكان وقت الجلسة قبل الغداء مملوءا بحديث شيق بين سماحته والإمام وارث الدين – سأشير إلى مضمونه بعد قليل – وعند القيام للغداء اقتربت من سماحته وقلت له :لدي سؤال خاص ، فقال – رحمه الله – كن بجواري عند المغسلة واطرح علي سؤالك ، فوقفت بجانبه وقلت له : يا سماحة الشيخ : ما رأيك في قول العامة عندنا : " ما صدقت على الله أن يحصل كذا وكذا " وهل في هذه العبارة محذور من الناحية الشرعية ؟ فقال – رحمه الله - : " لا أرى فيها بأسا ، لأن المراد – والله أعلم – ما توقعت أن الله سيحقق لي هذا الأمر ، أو نحو ذلك " . وقل لي أحد كتاب الشيخ وملازميه : لو لم تستفد أنت من هذه اللحظات لطلب الشيخ واحدا منها ليعرض عليه فيها شيئا مما لديه ، وهذا دأبه رحمه الله .
أما مضمون حديث سماحته مع الإمام وارث الدين وجماعته في هذا اللقاء فقد كان تتمة لحديث موجزا بدأ عند زيارتنا لسماحته صباحا في مكتبه ، وقد أصر سماحته – كعادته مع كل من يزوره من ضيوف البلاد في مكتبه – أصر على مشاركته في طعام الغداء هذا اليوم في منزله يومية عامرة ومفتوحة لزوار وضيوفه من داخل المملكة وخارجها . وفي منزل سماحته رحب – رحمه الله – بالإمام وارث الدين ومرافقيه وشكره وأثنى على عمله وجهوده مع جماعته في نشر الإسلام في أمريكا ، ووجههم بعدة توجيهات ودعا لهم وعدهم بالعون والمساعدة ثم سأل – رحمه الله – الإمام وارث الدين عن أحوال المسلمين عموما في أمريكا ، وأحوال جماعته ، وعن مساجدهم ومدارسهم والمناهج والكتب التي يدرسونها في هذه المدارس وأوصاهم بالعناية بالعقيدة والحرص على التمسك بمذهب السلف الصالح ، ثم فتح الشيخ الحوار معهم واستمع إلى حديثهم ومشكلاتهم وأسئلتهم ، وقد ظهر على الإمام وارث الدين انبهار وإعجاب بالشيخ : في علمه وسمته وهيئته وبساطته وإجاباته للسائلين عبر الهاتف وشموليه مجلسة وتوجيهه لكل فرد في هذا المجلس بصورة تشعره بأنه محط اهتمام الشيخ وحده ومن مظاهر إعجاب الإمام بالشيخ أنه قال له : نحن الآن نعدك يا شيخ منذ اللحظة شيخنا وإمامنا وقدوتنا ومستعدون أن نصدر عن رأيك في كل أمر من أمرونا ، ويسرنا أ، نستقبل في مساجدنا ومدارسنا كل من أن يأتينا من طرفك من الأئمة والدعاة والمدرسين ،وأن ندرس لطلابنا ما تقترحه علينا من الكتب والمؤلفات ، وأن نسير بتوجيهك في كل شأ، ، وقد شكره سماحته على هذا الشعور النبيل ودعا له جماعته بالخير والهدى والتوفيق.
هذه نماذج فقط من سيرة الشيخ العطرة في هذا المجال فقط ، وبعض شمائله الحميدة فرحمه الله رحمة واسعة ما أعظم نفعه وما أبرك وقته وعمره الذي حقق فيه للإسلام والمسلمين في الداخل والخارج ، ما لم يحققه عشرات الرجال بل مئاتهم ، ونتمنى أن تحظى سيرته العطرة الحميدة بعناية خاصة لتقديمها للشباب والناشئة وطلاب العلم والدعاة ، فهي سيرة عالم جليل تذكر بعلماء السلف الكبار ، وفيها قبس من أخلاق النبوة ، ورحمه الله رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة وجمعنا به ووالدينا في عليين ، وجعل البركة في ذريته وخليفته وعلماء هذه البلاد وسائر علماء المسلمين من بعده .
د.محمد بن خالد الفاضل
مجلة الشقائق العدد الحادي والعشرون.