23 ربيع الأول 1439 هجري - الإثنين 11 ديسمبر 2017 ميلادي

• مادة منتقاة تجمع المسائل التي تكثر الحاجة إليها في أبواب العقيدة والفقه والمعاملات من فتاوى الشيخ عبدالعزيز ابن باز، جمع وترتيب القسم العلمي بمؤسسة ابن باز الخيرية.

دفن اليوم علم كثير
(لقد دفن اليوم علم كثير ) : كلمة قالها حبر لأمة عبد الله بن عباس – رضي الله عنه – يوم مات زيد بن ثابت رضي الله عنه تذكرتها حين سمعت نبأ وفاة العالم الجليل والشيخ الفاضل عبد العزيز بن عبد الله بن باز – رحمه الله وغفر له – لقد مر بخاطري شريط حياة الشيخ المباركة ، تفسيره للقرآن ، تدريسه للحديث ، معلقات العقيدة وتعليم المواريث ، برنامج نور على الدرب جلسات مجمع الفقة الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي ، المؤلفات النافعة ، المجالس الجامعة . حياة حافلة بالدعوة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع حمية للدين وذب عن حياضه ، وصد لتأويل الجاهلين وتحريف الغاليين وانتحال المبطلين .
عالم كالشيخ عبد العزيز رفع الله مقامه في عليين – يتحدث عنه أترابه ونظراؤه من العلاء العاملين والجهابذة الناقدين ، وما مثلي أهل لذلك ، فقد كان الشيخ رحمه الله بحق علامة الدهر وحافظة الزمان ضبطا واتقانا ، وحق لأمته أن تفتخر به وتباهي به الأمم .. ولا أحرم نفسي شرف الحديث عن عالم كبير ونحسبه ولا نزكيه على الله – من أولياء الله الصالحين الذين تتقرب إلى الله بحبهم ونستمطر رحمته بذكرهم.. وها هنا أستحضر الآتي :
1. وأنا طالب علم صغير بالمدينة المنورة أرى الشيخ رحمه الله في المسجد النبوي بعد صلاة العشاء ومعه مراق فأستوقفه لأسأله عن قضية أشكلت علي في تفسير القرآن فما أجد منه إلا تواضعا جما وأدبا رفيعا وعلما غزيرا..
2. في اليوم الذي بعده وأنا في طريقي لصلاة الفجر بالمسجد النبوي المبارك ، والشيخ يسير بصحبة مرافقه ، إذا بسائق سيارة أجره بدوي يلمح الشيخ فيترك سيارته مسرعا يسلم عليه ويقبل رأسه ، والشيخ يدعو له بخير ، قلت : سبحان الله ما ترى سر هذه المحبة التي قذفها الله في قلوب عباده نحو هذا الشيخ الجليل ؟
3. يحدثني أحد إخواننا ممن كان يعمل داعية إلى الله في بعض البلاد مبعوثا من قبل رئاسة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء والإرشاد أنه أبعد من تلك البلاد نتيجة بعض الوشايات فذهب إلى الرياض ومعه زوجه وعياله ، وتمكن بعد أيام من مقابلة الشيخ حيث شكا إليه ما لقي من أذى فسالت دموع الشيخ رحمه الله وأصر أن يأتي ذلك الرجل بأهله لينزلوا ضيوفا على الشيخ في بيته ريثما تتم إجراءاته ، فلما أبى صاحبنا أقسم الشيخ أن تكون نفقات إقامته في الفندق على حسابه .
وهكذا كان – رحمه الله – برا كريما رءوفا رحيما حفيا بطلاب العلم سليم القلب تجاه المسلمين أجمعين ، يسعى في مصالحهم ويدأب في النصح لهم ، حتى كتب الله له القبول والمحبة في قلوب الناس من وافقوه ومن خالفوه ، فلا تجد شانئا للشيخ إلا جاهلا به غير عارف بفضله .. وها هنا أختم بحديث أبي أمامه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ألا إن قبض العلم ذهاب أهله.. " نسأل الله أن يعلي مقام الشيخ وأن يرفع درجته يتقبله بقبول حسن وأن يجعل مثواه جنة النعيم ، أنه خير مسؤول وأكرم مأمول .
الدكتور عبد الحي يوسف
رئيس قسم الثقافة الإسلامية بجامعة الخرطوم