25 ربيع الأول 1439 هجري - الأربعاء 13 ديسمبر 2017 ميلادي

• مادة منتقاة تجمع المسائل التي تكثر الحاجة إليها في أبواب العقيدة والفقه والمعاملات من فتاوى الشيخ عبدالعزيز ابن باز، جمع وترتيب القسم العلمي بمؤسسة ابن باز الخيرية.

الشيخ عبد العزيز والتعليم
لقد كان مجيء سماحة الشيخ عبد العزيز إلى الدلم قاضيا للخرج نعمة كبيرة أحدث مع وصوله عقلة كبيرة في جميع النواحي وبالأخص الناحية التعليمية ، إذ وجد قلوبا محبة للخير والعلم والتعليم والصبر على ذلك ، فعقد حلقات التدريس في الجامع الكبير في الدلم والقرى المحيطة به ، ثم ما لبثت وفود الطلاب تتقاطر على الدلم من أنحاء المملكة التي عمرت بالأمن بعد توحيدها علي يد الملك عبد العزيز - رحمه الله- ولم تقتصر تلك الحلقات على الجامع بل كان هناك حلقة في بيته لبعض الطلاب الملازمين له فكان غالب يومه في غير أوقات القضاء في الدرس والتعليم والتربية .
وما فتئ يعلو شأنه وينتشر صيته في أرجاء العالم الإسلامي كعلم من أعلام الشريعة البارزين حتى توافد عليه بعض الطلاب للدراسة عليه من الأقطار المجاورة ( من اليمن وفلسطين والعراق وغيرها ) فازداد عدد الطلاب فلم يعد يجد الكثير منهم مأوى يسكن فيه ، عندئذ طلب سماحته من الملك عبد العزيز- رحمه الله- التكرم بالأمر ببناء سكن يأوي إليه الطلبة ، فلبى الملك عبد العزيز- رحمه الله- طلبه ببناء حجرات قرب الجامع الكبر بمنافعها لتكون سكنا للطلاب وسمي بالرباط ، ولعدم كفاية تلك الحجرات فيما بعد استأجر لبعضهم بيوتا يسكنون فيها .
وأصبح من المألوف أن يجد الرجل في ذلك الوقت طلابا من أنحاء المملكة وإلى الجانب طلابا من ( فلسطين والعراق واليمن ، بل أن بعض هؤلاء الذين وفدوا على المملكة طلاب لهم المقام في الدلم وتزوجوا منها وأصبح لهم ذرية ) .
وللشيخ عبد العزيز عناية خاصة بطلابه فإلى جانب تأمين السكن لهم سعى لدى المسؤولين في الدولة وعلى رأسهم الملك عبد العزيز- رحمه الله- في إيجاد مكافآت شهرية لبعض الطلاب المجدين والمغتربين تشجيعا لهم على مواصلة الدراسة وطلب العلم ومساعدة لهم على تكاليف الحياة ، فكانت المكافآت ترسل للشيخ في الدلم ويقوم نيابة عنه تلميذه الشيخ راشد بن صالح بن خنين بتوزيعها شهريا على الطلاب ، لأن الشيخ راشد كان إلى جانب طلبه للعلم عند الشيخ عبد العزيز يعمل كاتبا في مجلس القضاء عنده ، ويقوم الشيخ كذلك بتوزيع عباءات لبعض الطلاب المتميزين لتشجيعهم على زيادة طلب العلم . وقد قسم الشيخ أوقاته بين القضاء والتدريس وعقد له حلقتين في المسجد الجامع الكبير في الدلم إحداهما بعد صلاة الفجر في التوحيد والفقه والحديث والنحو والتفسير .
وكان يعطي الطلاب ما يناسبهم فصغار الطلبة والمبتدئين من قصار المتون . وكبار الطلبة يعطي لهم من المتون الطوال حتى الضحى حيث يذهب لمنزله للجلوس للقضاء . والثانية بعد صلاة المغرب في الفرائض وقد اهتم الشيخ بهذا العلم اهتماما بالغا حيث يناقش الطلبة فيما درسوه ليتأكد من فهمهم للمادة العلمية . وبعد أذان العشاء يبدأ درسا آخر في تفسير ابن كثير حيث يقرأ أحد تلامذته وهو عبد الرحمن بن عبد العزيز بن جلال على الشيخ في تفسير ابن كثير مدة من الزمن حي يذكر ذلك ابن جلال بقوله : " لقد أكرمني الشيخ عبد العزيز حفظه الله بتخصيص هذا الوقت لي للقراءة عليه في تفسير ابن كثير قبل صلاة العشاء ، وقد لاحظت من خلال قراءتي عليه شدة تأثره وكثرة بكائه وربما زاد تأثره بما سمع فيمتد الدرس ويطول الوقت دون أن يشعر حتى ينتبه فينهيه فتقام صلاة العشاء " .
وهناك حلقتان كانتا بعد صلاة الظهر وبعد صلاة العصر وقد أوقفهما الشيخ بعد مدة لما ازدحم برنامجه بالأعمال وضاق وقته عن الجلوس لهذين الدرسين .
وكان حريصا على ما يلقيه من الدروس فلا يلقي درسه ولا يسمعه من الطالب حتى يراجع عليه شروحه وحواشيه وما قاله العلماء عليه وذلك في الليلة السابقة للدرس ولذلك إذا وفد إليه أحد وانشغل عن المراجعة لم يجلس للطلبة ، لذا أقبل عليه الطلاب واستفادوا من علمه لما اشتهر به من سعة العلم وحسن الإفادة وكريم الخلق ونطف العشرة . ومن الطريف أن بعض الطلاب كان حريصا على حضور درس الشيخ بعد صلاة الفجر فكثيرا ما ينطلق بعضهم من قبل أذان الفجر مشيا على أقدامهم من أماكن بعيدة في أطراف الدلم حتى يصلوا لجامع الدلم لصلاة الفجر ومن ثم حضور الدرس .
ولم يكتف- حفظه الله- بالدروس التي يلقيها في الجامع الكبير أو في بيته بل كان حريصا على نشر العلم بطرق كثيرة وخاصة بعد انتشار المدارس النظامية الحكومية ، فطلب من ولي العهد آنذاك الأمير سعود بن عبد العزيز ( الملك سعود فيما بعد ) - رحمه الله- حيث كان مشرفا على التعليم خلال مقابلته له في مكة في موسم الحج لعام 1367 هـ افتتاح مدرسة ابتدائية في الدلم فصدر الأمر لمدير المعارف آنذاك الشيخ محمد بن مانع- رحمه الله- بافتتاح مدرسة ابتدائية في الدلم ، فتم افتتاحها في عام 1368 هـ وسميت المدرسة السعودية الابتدائية ( ابن عباس حاليا ) .
وقد أوكل الإشراف عليها لسماحته يرشح لها المدير والمدرسين الأكفاء ، وأخذ الشيخ يحض الناس ويشجعهم على إلحاق أبنائهم في تلك المدرسة حرصا منه على تعليم الناس الخير وانتشار العلم ومحو الأمية والجهل . ولحرصه على المدرسة كان يفقد أحوالها ويسأل عن أوضاعها ويشجع القائمين عليها ويحثهم على بذل المزيد من العطاء .
ويحرص دائما- حفظه الله- على تجديد الجو العلمي لطلابه باهتمامه بالتربية الجسدية ، لذا فعندما دعاه مدير ومدرسو المدرسة السعودية ( ابن عباس حاليا ) وهم بعض طلابه في الحلقات في الجامع للخروج معهم في رحلة إلى البر في إحدى الرياض المزدهرة طلب منهم البقاء في البر إلى الغد على حسابه ثم دعا وجهاء البلد والمسئولين فيه فخرجوا واندمجوا مع بعض في رياضات متعددة إلى جانب الدروس العلمية التي يلقيها الشيخ عليهم . وكان يجلس لعموم الناس في الدلم بعد صلاة الجمعة في منزله ويستقبل الجميع ثم يتم قراءة بعض الآيات ويقوم الشيخ بتفسيرها والتعليق عليها لأن غالبية من حضر قد جاء للاستفادة من الشيخ أو السلام عليه ، جاءوا من أطراف الدلم من المزارع لكون غالبيتهم يعملون في الزراعة .