29 ربيع الأول 1439 هجري - الأحد 17 ديسمبر 2017 ميلادي

• مادة منتقاة تجمع المسائل التي تكثر الحاجة إليها في أبواب العقيدة والفقه والمعاملات من فتاوى الشيخ عبدالعزيز ابن باز، جمع وترتيب القسم العلمي بمؤسسة ابن باز الخيرية.

سماحة الشيخ في مكتبة منزله

لسماحة الشيخ مكتبة كبيرة في منزله في الرياض ، وله مكتبة في منزل الطائف ، ومكتبة في منزل مكة.
والمكتبة هي محل أنسه ، وهي - في الغالب - مقر عمله واجتماعاته الخاصة مع العلماء وغيرهم ، وهي محل بحثه ، ودراسة بعض المعاملات الخاصة الواردة عليه.
وهي مكان التسجيل لبرامج الإذاعة كبرنامج نور على الدرب وغيره ، وهي مكان اللقاءات بمندوبي الصحف.
وفيها يراجع كتبه ، ودروسه ، وبعض المسائل التي يحتاج إليها.
وفيها يتتبع أسانيد الأحاديث ، وطرقها؛ إذ كان رحمه الله كثير الرجوع إلى كتب الرجال ، ككتاب تقريب التهذيب ، وتهذيب التهذيب ، وميزان الاعتدال ، وتعجيل المنفعة ، وتهذيب الكمال.
وقد سمعت صاحب الفضيلة الشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري رحمه الله يقول: إن سماحة الشيخ يكاد يحفظ التقريب عن ظهر قلب.
وكان يستقبل المكالمات وهو في المكتبة ، ويلقي المحاضرات الخارجية عبر الهاتف.
وكان رحمه الله لا يمل الجلوس بين الكتب ، والتنقل في رياضها؛ ففي بعض الأحيان نأتي بالمعاملات من طلاق ونحوه؛ فإذا بدأنا عرضها عليه بعد العشاء ربما ظهر عليه بعض الإعياء والتعب ، والنعاس ، فيقول: ما عندي نشاط.
ثم يطلب بعض الكتب فإذا بَدَأَتِ القراءةُ عليه في الكتب نشط ، وتأهب ، وذهب عنه النعاس ، وتفاعل مع الكتاب أو الكتب.
وفي يوم من الأيام بَدَأْتُ أعرض عليه بعض المعاملات في الطلاق وغيره ، فلمست منه الإعياء ، فقال: ما عندي نشاط ، أشعر بالإعياء ، وأرى عرضها في وقت آخر.
فخرجت من عنده في الساعة التاسعة من الليل تقريباً ، وذهبت إلى شمال الرياض ، لقضاء بعض الأعمال الخاصة بي.
ولما انتهى عملي عدت إلى منزلي ، وفي الطريق مررت بمنزل سماحته ، ولما حاذيته رأيت سيارة الأخ صلاح الدين عثمان - أمين مكتبة منزل سماحة الشيخ - ، وكانت الساعة قد بلغت العاشرة والنصف.
فلما رأيت السيارة قلت في نفسي: ما الذي أبقى الأخ صلاحاً إلى ذلك الوقت ، خصوصاً وأن عهدي بسماحة الشيخ أنه مُجْهَد ، ولم يستطع إكمال قراءة المعاملات؛ فوقفت عند منزل سماحته ، ودخلت المنزل وإذا بسماحته يخرج من المكتبة متجهاً إلى داخل بيته؛ فسألت الأخ صلاحاً ، وقلت له: أنتم جالسون من حين ذهبت من عندكم حتى هذه الساعة ؟
قال: نعم؛ لما بدأت أقرأ على سماحته في الكتب نشط ، واشتد عزمه ، ولم يذهب داخل بيته إلا الآن - كما ترى - !
وفي بعض الليالي نجلس في المكتبة بعد صلاة العشاء ساعة ونصف الساعة تقريباً ، ونلحظ على سماحته الإعياء؛ إذ هو طيلة يومه في جهاد ، وعمل متواصل.
وعندما نقوم إلى مكان الطعام لتناول وجبة العشاء يعود للشيخ نشاطه ، ونرجع مرة أخرى إلى المكتبة ، ويقول رحمه الله : النشاط يعود بعد الأكل ، وهو بمثابة البنزين للسيارة.
وأحياناً يمضي في المكتبة الساعتين ، والثلاث دون أن يشعر؛ فإذا سأل عن الساعة وقلنا: الساعة الحادية عشرة قال: إلى الله المشتكى ، الوقت يمضي ، والجلوس بين الكتب لا يُمَل ، نتمنى أن نقرأ كل ما في هذه المكتبة ، ولكن المشاغل لا تتركنا.
وفي يوم من الأيام في عام 1418هـ قال سماحته للأخ صلاح أمين المكتبة: لم يتيسر إلى الآن إمرار مسند الإمام أحمد؛ قراءتنا فيه متقطعة ، كلما قرأنا منه جزءاً انقطعت القراءة ، وإن شاء الله سوف نقرؤه ، فبدأ بقراءته ، ولكن الأعمال العظيمة لم تتركه.
ولا أعلم أنه عرض على سماحته كتاب يتكون من مجلد أو مجلدين أو ثلاثة ، أو أكثر إلا قال: سوف نقرؤه إن شاء الله.
ومما هو جديد بالذكر أن سماحته أوصى قبل وفاته بإهداء مكتبته إلى مكتبة مسجد سماحته في مكة المكرمة.