أما السؤال الأول وهو تارك الصلاة هل يدفن في مقابر المسلمين فقد تنازع عن العلماء في حكمه إذا تركها تهاوناً وهو لم يجحد وجوبها بل يؤمن بأن الصلاة فريضة ولكن تركها تهاوناً وكسلاً، فذهب قوم إلى أنه لا يكفر بذلك كفراً أكبر بل كفر أصغر, وأنه يدفن مع المسلمين, ويغسل, ويصلى عليه, وهذا قول معروف عند جمع كبير من أهل العلم, والقول الثاني أنه يكفر كفراً أكبر وهذا هو الأصح والأرجح, فعلى هذا لا يدفن مع المسلمين بل يدفن في محل بعيد عن الناس لا يعرف, ويسوى عليه الأرض كسائر الكفرة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -في الحديث الصحيح: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)، ولم يستثني أحداً، ولم يقل إلا إذا كان جاحداً لوجوبها، وهذا الحديث صحيح رواه أحمد, وأهل السنن بإسناد صحيح, وروى مسلم في صحيحه عن جابر- رضي الله عنه- عن النبي-صلى الله عليه وسلم –أنه قال: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة)، والكفر معرف, والشرك معرف يرجع إلى الكفر الأكبر والشرك الأكبر، هذا هو الأصح والأرجح لأدلة أخرى كثيرة، تدل على أن المتهاون بترك الصلاة ليس معه من الإسلام شيء، قد فارق الإسلام نسأل الله العافية والسلامة. وأما المهور وما يتعلق بغلائها فهذا قد سبق فيه فتاوى كثيرة, ونشرنا عن ذلك نشرات كثيرة, وكتب مجلس هيئة كبار العلماء في ذلك كتابات في الحث على عدم المغالاة, والاقتصاد في المهور, و الولائم وهذا حق، فالواجب على المسلمين أن يتعاونوا في هذا, وأن يقتصدوا في المهور, والولائم حتى يمكنوا المتوسط في الدخل, ومن يعجز عن كثير من المهور, ومن مؤونة الولائم حتى يمكنوهم من الزواج ويسهلوا لهم الزواج، فالمقصود أن هذا شيء يجب على المسلمين التعاون فيه، وعلى ولاة الأمور التعاون مع الناس في ذلك حتى يتركوا هذه المغالاة في المهور وفي الولائم, وهذا حق على الجميع وواجب على الجميع أن يتعاونوا فيه, وأن يتواصوا به لعل الله -جل وعلا- يمن بترك الناس هذا الشيء حتى يحسنوا بذلك إلى فقرائهم وإخوانهم الذين يعجزون عن هذه الأمور. و أما ما يتعلق بدعوة الشياطين, والاستغاثة بالجن, وبأصحاب القبور فهذا من الشرك بالله-عز وجل-, فدعاء الأموات, والاستغاثة بالأموات, والنذر لهم, وطلب المدد هذا من الكفر الأكبر, وهذا واقع في كثير من الناس في بلدان كثيرة ودول كثيرة, يأتي إلى الميت المشهور الذي يسمونه ولي فيقول يا سيدي اشف مريضي، رد غائبي، المدد المدد، وهذا كفر أكبر بإجماع أهل السنة والجماعة, ولا عظة بما خالف فيه المتأخرين الذين جهلوا هذا الأمر ولم يعرفوه وظنوا أن الشرك توحيد وأن التوحيد شرك، هؤلاء لا يعتد بهم، فالأدلة من الكتاب والسنة كلها تدل على أن دعاء الأموات, والاستغاثة بالأموات, وطلبهم المدد من جنس دعاء الأصنام, ومن جنس دعاء الكواكب, ومن جنس الأشجار, والأحجار كله شرك بالله, كله من عمل الجاهلية من جنس عمل أهل الجهل وأشباههم من كفار قريش، حين دعوا العزى وهي الشجرة, وحين دعا أهل الطائف اللات في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم- وهي الصخرة التي كان يلت عليها رجل صالح السويق فعظموها وصاروا يعبدونها من دون الله، هذا كله باب واحد, فدعاء الأموات, والاستغاثة بالأشجار وبالأحجار, وبالأصنام, وبالكواكب, وبالجن كله باب واحد, وكله من الشرك بالله عز وجل، فالواجب على أهل الإسلام أن يحذروا هذه الأمور, ويحذروها الناس, والواجب على العلماء أن يبذلوا وسعهم في هذا الأمر, ويجتهدوا في تبيين هذا الأمر للناس في الوسائل, وسائل الإعلام المنظورة, والمقروءة, والمسموعة حتى يكون الناس على بينة, فإن كثيرا من الناس قد وقع في هذا في بلدان كثيرة, ودول متعددة, يطوف بالقبر, ويدعو صاحبه, ويستغيث به وينذر له, ويذبح له, ويطلبه المدد والغوث, ويعرض عن الله -عز وجل- وهذا من البلاء العظيم، فالواجب صرف هذه العبادات لله وحده، كما قال سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ(الإسراء: من الآية23) ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (الفاتحة:5), وقال-سبحانه-: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ(غافر: من الآية60)، وقال سبحانه: فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً(الجـن: من الآية18)، وقال-عز وجل-: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (يونس:106) ، وقال-عز وجل-: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (المؤمنون:117)، فسماهم كفرة في هذا الدعاء ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقال-عز وجل-: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (فاطر:14) -سبحانه وتعالى-، فسمى دعاءهم لغير الله شركا، وهذا يعم دعاء الأموات من الصالحين, والأنبياء ويعم دعاء الجن, ودعاء الأصنام, وغير ذلك كله شرك بالله-عز وجل-، وكله باطل وبين-سبحانه- أن المدعوين لا يسمعون دعاء الداعي، ولا يستجيبون له لو سمعوا فهو خاسر في الدنيا والآخرة, ولكن الشياطين قد تقضي له بعض حاجاته فيظن أن الميت قضى حاجته, وهذا من الجهل بالله والجهل بدينه، فالميت عاجز عن ذلك مرتهن بعمله، ليس له قدرة أن يقضي حاجتك, وليس له قدرة أن يسمع دعاءك, ولا أن يستجيب لك إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم، هذا كلام الرب أصدق القائلين-سبحانه وتعالى-، هذا كلام ربنا-عز وجل- وهو أصدق القائلين ولوا سمعوا ما استجابوا لكم, وهذا يبين لنا أن دعاءهم باطل, وأنه شرك أكبر, وأن صاحبه خاسر لا يستجاب له ولا يسمع دعاؤه، ولكن الجن الذين هم الشياطين الذين هم يدعون الناس إلى النار هؤلاء قد يستجيبون, قد يأتون لصاحب الدعاء بشيء من حاجته الدنيوية, وقد يزينوا له أن دعاء الأموات طيب وأنه مستجاب فيقضي بعض حاجته, وقد يتعرضون لمرض بعض أقاربه فإذا دعاهم واستغاث بهم كفوا عنه وتركوا ما قد فعلوه به، فالشياطين لهم وسائل كثيرة, ولهم حيل كثيرة في إيقاع الناس في الشرك الأكبر نعوذ بالله، كما قال عز وجل: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (فاطر:6) ، نعوذ بالله. وأما البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها والقباب هذا من البدع, وهذا من وسائل الشرك, وقد وقع هذا من دهور طويلة من القرن الثاني وبعده، من الغلاة من بعض الشيعة وغير الشيعة بعضهم غلا في قبور أهل البيت، وبعضهم غلا في قبور غيرهم، فوقع هذا البلاء من أصناف كثيرة من الشيعة وغير الشيعة من الغلاة الجهلة, فلما بنيت المساجد على القبور, وبني عليها القباب وعظمها الجهال بالفرش, والأطياب ظن العامة والجهلة أنهم ينفعون ويضرون, وأنهم يستجيبون لداعيهم وأنهم يقضون حاجاته, وأنهم يمدونه بشفاء مريضه فوقع الشرك الأكبر بذلك، فصارت هذه البنايات على القبور, والقباب, والمساجد وسيلة للشرك بالله- عز وجل-, ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، وقال- عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح أيضا: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك)، خرجه المسلم في صحيحه، والأول خرجه الشيخان في صحيحهما عن عائشة- رضي الله عنها-، فيجب على أهل الإسلام أن يحذروا هذه الشرور, ويجب على العلماء أن يحذروا الناس، ويجب على ولاة الأمور أهل الحل والعقد يجب عليهم أن يأخذوا على أيدي السفهاء والجهلة وأن يمنعوهم من هذا الشرك, وأن يهدموا ما على القبور من مساجد, وقباب حتى تكون القبور ظاهرة للناس بارزة كما كانت في عهد النبي-صلى الله عليه وسلم- في البقيع وغيرها, فهكذا يجب أن تكون بارزة في الصحراء مكشوفة ليس عليها أبنية يعرفها الناس، أنها قبور حتى يزورها للسلام عليها, والدعاء لهم، هكذا شرع الله- جل وعلا-، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة)، فيزورها المسلم ويسلم عليهم قائلاً: (السلام عليكم أهل الديار، من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين ويدعو لهم بالمغفرة، فالزيارة الشرعية للذكرى وللدعاء للميت والترحم عليه، لكن هؤلاء المشركون عكسوا القضية صاروا يأتونها ليدعونها من دون الله يستغيثوا بها وينذروا لها يطلبوها المدد, وهذا من أبطل الباطل, والمشروع لنا أن نزورها لندعوا لهم, ونستغفر لهم ونترحم عليهم لا لندعوهم من دون الله لا، ولكن ندعوا لهم بالمغفرة، ندعوا لهم بالرحمة نستغفر الله لهم، نتذكر الآخرة, نتذكر الموت، فكان النبي-صلى الله عليه وسلم-يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية، وفي لفظ قال: يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين, وكان يزور القبور عليه الصلاة والسلام ويقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون أتاكم ما توعدون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد"، هكذا كان يفعل هو وأصحابه يزرون القبور, يدعون للموتى, يترحمون عليهم من المسلمين يستغفرون لهم, وفي هذا يذكرون الآخرة يذكرون الموت حتى يعدوا له عدته، بخلاف ما فعل هؤلاء المشركون الذين جهلوا الأمر وجهلوا الحق فغيروا وبدلوا نسأل الله السلامة والعافية، نسأل الله أن يهدي المسلمين وأن يبصرهم بدينهم، وأن يوفق علماءهم وحكامهم لتنبيههم وتعليمهم, وإرشادهم, ومنعهم من الباطل والشرك إنه خير مسئول سبحانه وتعالى.