بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه؛ نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد: فلا ريب أن المسجد والمنبر هما الآلتان القديمتان في توجيه الناس إلى الخير، وتعليم الناس ما ينفعهم، وتبليغ الناس رسالة ربهم - سبحانه وتعالى -، وقد بعث الله الرسل عليهم الصلاة والسلام يبلغون الناس رسالات الله ويعلمونهم شريعة الله، هكذا بعث الله الرسل من آدم عليه الصلاة والسلام، ثم نوح ثم من بعده من الرسل، كلهم بعثوا ليبلغوا رسالات الله من طريق المساجد والمنابر سواء كانت المنابر في المسجد أو في غير المسجد، وسواء كان المنبر مبنياً أو غير مبني، فقد يكون المنبر ناقةً أو فرساً أو غير ذلك من الدواب التي تركب، قد يكون المنبر محلاً مرتفعاً تبلغ منه رسالة الله، فالمقصود أن الله جل وعلا شرع لعباده أن يبلغوا رسالات ربهم، وأن يعلموا الناس ما بعث الله به رسله من كل طريق، ولكن المنبر والمسجد هما أهم طريق. فرسالة المسجد رسالة عظيمة، يجب على جميع العلماء ومعلمي الناس الخير أن يعنوا بها، وأن يعيدوها إلى حالها الأولى، وأن يفقهوا الناس في دينهم من طريق المسجد؛ لأنه مجمع المسلمين في الجمع وغيرها، كما عليهم أن يبلغوا الناس دين الله من الطرق الأخرى من طريق الإذاعة، طريق المنبر في غير المسجد، من طريق الخطابة في المجتمعات المتيسرة والحفلات المناسبة، من طريق الصحافة من طريق التأليف، من كل طريق ممكن، هكذا يجب على أتباع الرسل وعلى خلفاء الرسل من أهل العلم أن يبلغوا رسالة الله، وأن يعلموا الناس شريعة الله حتى يتفقه الكبير والصغير والرجل والمرأة، والموافق والمخالف حتى تقام الحجة وتقطع المعذرة. ولا يجوز لولاة الأمور ولا غيرهم أن يحولوا بين الناس وبين هذه المنابر إلا من علم بأنه يدعو إلى باطل فإنه يمنع أينما كان، أما من دعا إلى الحق والهدى فالواجب أن يشجع وأن يعان، وأن تسهل له الوسائل التي يبلغ بها أمر الله وشرعه - سبحانه وتعالى -، وعليكم أيها الأخوة في كل مكان في الجزائر وفي المغرب وفي جميع أنحاء الدنيا، عليكم أن تقوموا بواجبكم حسب ما أعطاكم الله من العلم في كتابه وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، عليكم أن تبلغوا رسالة الله أينما كنتم، في المسجد وفي البيت وفي الطريق وفي السيارة وفي الطائرة، وفي القطار وفي كل مكان، ليس للتبليغ محلٌ مخصوص، بل التبليغ مطلوب في كل مكان، حتى ولو كنت في الطريق تمشي مع أخيك أو مع إخوانك، حتى ولو كنت على مائدة تأكل منها مع إخوانك تبلغ رسالة الله، في أي مجتمع وفي أي مكان تستطيع التبليغ عليك أن تبلغ، والله جل علا يقول: فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (35) سورة النحل، ويقول - سبحانه وتعالى -: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ (67) سورة المائدة، ويقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (بلغوا عني ولو آية)، ويقول عليه الصلاة والسلام: (نظر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها)، فرب مبلغ أوعى من سامع، وكان - صلى الله عليه وسلم – إذا خطب يقول: (فليبلغ الشاهد الغائب)، ولما خطب الناس في عرفات في حجة الوداع في أعظم جمع، لما فرغ من خطبته قال: (فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع)، وقال: (وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟، قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء ثم ينشبها إلى الناس ويقول: اللهم اشهد اللهم أشهد)، هكذا يقول عليه الصلاة والسلام، هكذا يشجع الناس، على البلاغ والبيان، فعليكم أيها الأخوة وأيها العلماء في كل مكان، في أفريقيا، في أوروبا، في أمريكا، في آسيا، في الدول العربية، في غير الدول العربية، في جميع الدول الإسلامية وفي كل مكان، عليكم أن تبلغوا رسالة الله، وعليكم أن تعلموا الناس دينهم ولكن بعد تثبت، بعد البصيرة، بعد العلم بما قاله الله ورسوله، حتى لا تبلغوا عن الله خلاف الحق، وحتى لا تبلغوا عن رسوله خلاف الحق، فعليكم أن تتعلموا وأن تتبصروا ثم تبلغوا الناس ما أعطاكم الله من العلم، وعلى أهل العلم الذين من الله عليهم بالفقه في الدين والبصيرة؛ عليهم أن يسابقوا إلى هذا الخير وأن يسارعوا إليه، وأن يتحملوا هذا الواجب بأمانة وإخلاص حتى يبلغوا دين الله لعباد الله، وحتى يعلموا الناس ما شرعه الله؛ لأنه ليس كل واحد يستطيع أن يتعلم في المدارس، وليس كل واحد يريد المدرسة تعلمه الشرع المطهر، تعلمه الدين الحق، تعلمه القرآن كما أنزل، والسنة كما جاءت، فعليكم أن تبلغوا الناس من منابر الإذاعة ومنابر التلفاز، ومنابر الصحافة ومنابر الجمعة ومنابر العيد وفي كل مكان، وبالدروس والحلقات العلمية في المساجد، وفي غير المساجد كالمدارس والمعاهد ونحو ذلك، كل طالب علم منّ الله عليه بالعلم، وكل عالم فتح الله بصيرته يستغل ما أعطاه الله من العلم، ويستغل كل فرصة تمكنه فيها الدعوة حتى يبلغ أمر الله، وحتى يعلم الناس شريعة الله، وحتى يأمرهم بالمعروف، وحتى ينهاهم عن المنكر، وحتى يشرح لهم ما قد يخفى عليهم مما أوجب الله عليهم وحرم عليهم، هذا هو الواجب على جميع أهل العلم فهم خلفاء الرسل وهم ورثة الأنبياء، فعليهم أن يبلغوا رسالات الله، وعليهم أن يعلموا عباد الله شريعة الله، وعليهم أن ينصحوا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وعلى جميع ولاة الأمور أن يعينوهم ويشجعوهم ويقوموا بكل ما يعين على هذا الواجب، فالله جل وعلا يقول: (وتعاونوا على البر والتقوى)، ويقول النبي الكريم - عليه الصلاة والسلام-: (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته)، متفق على صحته من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما-. ويقول عليه الصلاة والسلام: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، خرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه-، هكذا يجب علينا جميعاً، ونسأل الله ولجميع إخواننا المسلمين وللعلماء بوجهٍ أخص ولطلاب العلم نسأل الله للجميع التوفيق والهداية والإعانة على أداء الحق. سماحة الشيخ: أفهم مما تفضلتم به وأعتقد أن الأخوة المستمعين يشاركونني هذا الفهم، أن الذي يمنع هو صاحب الباطل لا المساجد ولا المنابر تمنع عن الناس من أن يستفيدوا منها في مجال الدعوة إلى الله؟ مثل ما تقدم، إنما يمنع الدعاة إلى الباطل، وهم الأسباب الذين قد يضايقون أهل العلم وأهل الخير حتى إن هذا قد يجر ذلك إلى منعهم من المساجد، ويمنع غيرهم بأسبابهم، فإذا منع أهل الباطل استقام الطريق واتسع المجال لدعاة الحق، فالواجب على ولاة الأمور أن يأخذوا على يدي أهل الباطل وأن يمنعوهم من نشر باطلهم بكل وسيلة، سواء كان صاحب الباطل شيوعياً أو وثنياً أو نصرانياً أو مبتدعاً من سائر أنواع البدع، على ولاة الأمور من أهل الإسلام أن يمنعوا أصحاب البدع وأصحاب الباطل أن ينشروا باطلهم، وعليهم أن يعينوا دعاة الحق الذين يدعون الناس إلى كتاب ربهم وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ويبصروهم ما أوجب عليهم وما حرم الله عليهم، ويوضحوا لهم حق الله وحق عباده وحق ولاة الأمور وحق كل مسلمٍ على أخيه، هؤلاء هم الذين يعانون ومن حاد عن الطريق ودعا إلى غير الشرع هو الذي يمنع أينما كان. سماحة الشيخ: ودعوتم أيضاً إلى الاستفادة من وسائل الإعلام بما فيها تلك الوسائل التي فيها التصوير، لكن بعض الدعاة إلى الله لا زالوا يتحرجون من تلكم الصورة، ماذا يقول سماحة الشيخ؟ نعم، هذا لا شك أن فيه ممن يتحرجون من ذلك، وهو التصوير لأجل الإذاعة في التلفاز أو نشر العلم في التلفاز، وهذا يختلف بحسب ما أعطاه للناس من العلم والإدراك والبصيرة والنظر في العواقب، فمن شرح الله صدره واتسع أفق علمه ليعمل في التلفاز، وليبلغ رسالات الله فله أجره وله ثوابه عند الله، ومن اشتبه عليه الأمر ولم ينشرح صدره لذلك، فنرجو أن يكون معذوراً، أما أنا فأعتقد أن من شرح الله صدره لذلك وأعانه الله على ذلك فإن هذه المصلحة العظمى وهي نشر الدين وتوجيه الناس إلى الخير يغتفر في جنبها ما يقع من تصويره لهذا الأمر، كونه يصور لأجل هذا الأمر، فإنها مفسدة جزئية تنغمر في جنب المصلحة العظمى التي هي تبليغ الناس رسالات الله، وتعليم الناس شرع الله، وتوجيه الناس إلى الخير حتى لا يخلو المجال لأهل الباطل، وحتى لا يتسع لأهل الباطل أفق دعواتهم إلى باطلهم، نسأل الله السلامة والتوفيق.