بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعـد: فلا ريب أن توفير اللحى وإرخاءها مما شرع الله لعباده، ومما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، فالواجب على المسلم أن يعفيها، وأن يرخيها وأن لا يتعرض لها بشيء، لا حلق ولا قص، لما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (قصوا الشوارب وأعفوا اللحى، خالفوا المشركين)، متفق على صحته. ولقوله عليه الصلاة والسلام: (قصوا الشوارب) وفي لفظ: (جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس)، هذا هو الثابت عنه صلى الله عليه وسلم، وذلك يدل على وجوب إعفائها وإرخائها؛ لأن الأمر للوجوب هذا هو الأصل، فعلى المسلم أن يرخيها وأن يعفيها وأن يوفرها، ولا يتعرض لها بقص ولا بحلق، أما هذا المفتي أو هذا القاص أو هذا الواعظ الذي قال: إن من قصها تطلق زوجته وأن كذا وكذا، هذا غلط، وكلامه ليس بصحيح، وينبغي أن يُعلم ويوجه ويخبر أنه قد أخطأ في هذا السبيل، فليس حلقها ولا قصها ردة عن الإسلام حتى تطلق منه امرأته، لا، بل معصية من المعاصي، فزوجته لا تطلق، ولا يسمى ديوثاً، ولا يجوز أن يقال هذا الكلام في حق حالق اللحية ولا قاصها، ولكن نقول: بأنه خالف الرسول صلى الله عليه وسلم، عصى الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو من جنس بقية المعاصي التي ينهى عنها ويحذر منها ولكن لا يقال فيها إنه ديوث، ولا يقال فيها: أنها تطلق امرأته، الديوث هو الذي يرضى الفاحشة في أهله، هذا الديوث، هو الذي يرضى بأن تأتي زوجته بالفاحشة، هذا الديوث، فالحاصل أن هذا الكلام الذي قاله الواعظ هو كلام خطأ وقد غلط وجهل، فالواجب أن يعلم وأن يرشد، ويحذر من الغلو في الكلام والتجازف في الكلام بغير حجة، وإنما كلام أهل العلم في ذلك هو أن ذلك لا يجوز، وأنه معصية وأن الواجب على المسلم أن يعظم أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأن يأخذ به ويمتثله وذلك بإرخاء لحيته وتوفيرها، أما كون بعض الكفار من اليهود أو النصارى أو الهنود أو غيرهم يطولونها أو يوفرونها فهذا لا يضرنا، إذا وافقونا فيما شرع الله لنا لا يضرنا، إنما يضرنا إذا وافقناهم في عوائدهم وغلوهم وما أشبه ذلك من أعيادهم! هذا الذي يضرنا، أما إذا وافقونا، قصوا شواربهم وأرخوا لحالهم، فهذا لا يضرنا، بل نحب لهم أن يهتدوا حتى يوافقنا في الإسلام كله.