بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعـد: هذا السؤال فيه إجمال، هو ما حكم صلاة السجود في الليل، يحتمل أن مراده بذلك، يعني ما حكم الصلاة التي يكثر فيها السجود ولا تطول فيها القراءة، ويحتمل أنه أراد معنىً آخر لم أفهمه، فإن كان يسأل عن الأول: فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على شرعية الإكثار من الصلوات وأنها من أسباب دخول الجنة، وأن العبد إذا سجد سجدة رفع الله بها درجة، وفي حديث ربيعة بن كعب الأسلمي قال: قلت يا رسول الله، لما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (سل) وكان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم قال: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: (أعني على ذلك بكثرة السجود)، يعني بكثرة الصلاة، فكثرة الصلاة يلزم منها كثرة السجود، والسجود فيه خشوع لله، وتعظيم لله عز وجل، فهو من أسباب رفع الدرجات وحط الخطيئات، ومن أسباب دخول الجنة والنجاة من النار، ومن أسباب حصول الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه إذا كان موحداً مسلماً، وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا بالدعاء فقمن أن يستجاب لكم)، يعني حري أن يستجاب لكم. رواه مسلم في الصحيح، وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: (أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء). فهذا يدل على أن السجود له شأن، وأن العبد أقرب ما يكون من ربه في حالة سجوده، لأن السجود حالة خضوع، حالة ذل لله وانكسار بين يدي سبحانه وتعالى، يضع وجهه الذي هو أكثر أعضائه الظاهرة، يضعه في الأرض، خاضعاً لربه، مطمئناً، خاشعاً، يرجو ثوابه ويخشى عقابه، فهو في هذه الحالة في غاية الذل والانكسار فهو أقرب ما يكون إلى الله جل وعلا، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء)، فدل ذلك على أن الدعاء في السجود دعاء مطلوب، وأن صاحبه حري بالإجابة، وصح عنه صلى الله عليه وسلم في حديث ثوبان (أن العبد ما سجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة)، فينبغي الإكثار من الصلوات في الليل وفي النهار، في الضحى، وفي الظهر، وفي الليل بعد العشاءين، وبعد العشاء، وفي جوف الليل، وفي آخر الليل، كل هذه أوقات عظيمة، ينبغي فيها الإكثار من الصلاة، ولا سيما في الليل، فإن الليل الصلاة فيه أفضل من صلاة النهار، وأقرب إلى الخشوع، وهدوء قلب، كما يقول جل وعلا: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) سورة المزمل، فالصلاة في الليل لها شأن، والإنسان فيها أقرب ما يكون إلى الخشوع والذل بين يدي الله، ولا سيما في جوف الليل، وفي آخر الليل، فينبغي الإكثار من الصلوات في الليل وفي النهار، ويختمها في الليل بالوتر، إذا صلى ما كتب الله له من الصلوات ختمها بالوتر، وأفضل ما يكون إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، ولو صلى أقل من ذلك خمسٍ أو سبعٍ فلا بأس فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يتنوع في صلاته، ربما أوتر بخمس، ربما أوتر بسبع، ربما أوتر بتسع، ربما أوتر بإحدى عشرة، وهو الأغلب، ربما أوتر بثلاث عشرة، فالأمر في هذا واسع، وإن صلى في الليل عشرين ركعة أو ثلاثين ركعة، أو أربعين ركعة، أو مئة ركعة وختمها بالوتر فكل هذا لا بأس به، النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن صلاة الليل فقال: (مثنى مثنى)، فلم يحد حداً عليه الصلاة والسلام، ما قال عشر ولا عشرين، بل أطلق، فالإنسان يصلي في الليل ما بدا له، ولو مئة ركعة، لكن بدون مشقة على نفسه، مع الرفق بنفسه، ومع الطمأنينة وعدم العجلة، ثم يختم بالوتر، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (صلاة الليل مثنى مثنى وإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعةً واحدة توتر له ما قد صلى)، فيصلي ما كتب الله له في الليل ولا يسهر بل ينام ويصلي، هذا السنة، حتى لا يتعب في النهار، وحتى يتفرغ لأعماله النهارية وعباداته النهارية، فيصلي ما كتب الله له في الليل، في أول الليل، أو في جوفه، أو في آخره، والآخر أفضل إذا تيسر، ثم يوتر بواحدة، ركعةٍ واحدة، هذا هو الأفضل.