اختلف كلام أهل التفسير في هذا الاستثناء، وأحسن ما قيل في ذلك: أن الاستثناء يراد به ما يقع حال القيامة في موقف القيامة، وما يقع في حال القبور، كل هذا مستثنى، ......... إن المؤمنين والكافرين كلهم لهم نصيبهم، المؤمنون لهم نصيبهم من نعيم الله في قبورهم وفي موقفهم يوم القيامة، وما يحصل لهم من التسهيل واللطف. والكافرون لهم نصيبهم من العذاب في المقابر وفي موقفهم أمام الله يوم القيامة. أما بعد دخول النار فليس فيها استثناء يعني مخلدون أبد الآباد وهم الكفار، وأهل الجنة مخلدون في دار النعيم أبد الآباد لا يضعنون منها ولا يموتون، ولا تخرب بلادهم، وهكذا الكفرة مخلدون في نار جهنم عند أهل السنة والجماعة مخلدون فيها أبد الآباد، لا تخرب ولا يخرجون، منها كما قال الله -سبحانه- وتعالى في أهل النار: يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ[المائدة: 37] وقال -سبحانه-: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ[البقرة: 167]، وقال في أهل الجنة: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا[النساء: 57]، فأهل الجنة دائماً في نعيمهم وفي سرورهم وفي حبرتهم لا يضعنون ولا تخرب بلادهم: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلًا مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[الدخان: 51-57] وقال -سبحانه-: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ[الحجر: 45-48] في آيات كثيرات كلها دالة على خلود هؤلاء وخلود هؤلاء، أهل الجنة مخلدون فيها أبد الآباد، وأهل النار مخلدون فيها أبد الآباد، يعني الكفرة، وقد ذهب بعض أهل السلف إلى أن النار لها نهاية، وأن أهلها يخرجون منها بعد النهاية، أو يموتون فيها، وهذا القول شاذٌ عند أهل السنة والجماعة لا أساس له من الصحة، والذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة أن النار دائمةٌ أبداً، وأن أهلها مخلدون فيها أبد الآباد، لا تخرب ولا يخرج منها أهلها، بل هم في عذاب دائم، وخلود دائم، وهي باقية مقيمة، لابثين فيها أحقاب، لا تنتهي هكذا أخبر ربنا عز وجل في قوله -سبحانه-: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ[البقرة: 167]، يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ[المائدة: 37] كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا[الإسراء: 97] فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا[النبأ: 30] ومن قال إن لها أمداً فهو قول ضعيف شاذ لا يعول عليه عند أهل السنة والجماعة. وأما العصاة من الموحدين فهؤلاء عند أهل السنة والجماعة إذا دخلوا النار لا يخلدون فيها، بل يقيمون فيها ما شاء الله ثم يخرجهم الله منها فضلاً منه ورحمة -سبحانه وتعالى-؛ لأنهم ماتوا على التوحيد والإسلام لكن لهم معاصي ماتوا عليها لم يتوبوا منها، فهؤلاء إذا دخلوا النار لا يخلدون عند أهل السنة والجماعة خلافاً للخوارج وخلافاً للمعتزلة ومن سار على مذهبهم من أهل البدع. أما أهل السنة والجماعة فمجمعون إجماعاً قطعياً على أن العصاة لا يخلدون في النار بل لهم أمد ينتهون إليه؛ كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، في الصحيحين وغيرهما؛ أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يشفع للعصاة فيحد الله له حدا، ويخرجهم من النار، ثم يعود فيشفع، ثم يعود فيشفع، ثم يعود فيشفع، وفي كل مرة يحد الله له حداً فيخرجهم من النار، وهكذا الملائكة وهكذا المؤمنون، وهكذا الأفراط يشفعون، كما صحت به الأخبار عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، ثم يبقى بقية في النار لم تشملهم الشفاعات فيخرجهم الله -سبحانه- برحمته -جل وعلا-، كما صح بذلك الحديث عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه، وهو قول أهل السنة والجماعة قاطبة.