هاتان الآيتان الكريمتان على ظاهرهما وسماها النبي - صلى الله عليه وسلم -:(الآية الفاذة الجامعة)، يعني أنها جمعت الخير والشر، ففيها الترغيب والترهيب، والحث على الخير والتحذير من الشر، وأن العبد لا يضيع عليه شيء من عمله الصالح، وأن سيئاته سوف يلقاها ويراها، إلا أن يتوب الله عليه، ويعفو عنه، ولهذا قال سبحانه: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، وهذا يدل على أنه لا يضيع هناك شيء من أعمالك الصالحة، بل تحصى لك وتكتب لك وتوفاها يوم القيامة، كما قال عز وجل في آية أخرى: إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً، فهو لا يظلم أحداً مثقال ذرة، بل هو سبحانه وتعالى الحكم العدل يعطي كل عامل من عمله، ولا يظلم ربك أحداً سبحانه وتعالى وإن كانت ــ بخير ضوعف، وإن تك حسنة يضاعفها، يعني وإن تكن الفعلة متى فعل الإنسان حسنة ضاعفها الله له، ويؤت من لدنه أجراً عظيماً، فأنت يا أخي عليك أن تحذر السيئات دقيقها وجليلها صغيرها وكبيرها وألا تحتقر شيئاً فإن معظم النار يكون من مستصغر الشرر، فلا تحقر سيئة أبداً، وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إياكم ومحقرات الذنوب، فإنها تجتمع على العبد حتى تهلكه، وفي لفظ: فإن لها من الله طائفاً، فعلى كل مؤمن وعلى كل مؤمنة الحذر، من جميع السيئات كما أنه ينبغي لكل مؤمن ولكل مؤمنة الاستكثار من الحسنات والحرص على فعل الخير وإن كان قليلاً، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة، وصح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: جاءت امرأة ومعها ابنتان تشحت، تسأل، فأعطيتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة من ابنتيها تمرة، ورفعت الثالثة لتأكلها فنظر إليها ابنتاها يستطعمانها الثالثة فشقت بينهما ولم تأكل شيئاً، فأعجبني أمرها، فلما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبرته بشأنها فقال: إن الله أوجب لها بذلك الجنة، هذه شق تمرة ورحمة من والدة لابنتيها حصل لها في ذلك الوعد بالجنة، على هذه الرحمة وهذا الإحسان وهذه الشفقة، بشيء قليل، فينبغي للمؤمن ألا يحقر شيئاً من الحسنات، فإذا وجد شيئاً يجود به على الفقير والمحتاج فلا يحقره، تمرة درهم نصف درهم أقل أكثر، فالمحتاج ينفعه كل شيء، وتجتمع عنده التمرات والأشياء القليلة من النقود وتنفعه، فهذا معنى الآية الكريمة، الحث على تحصيل الخيرات، ولو قليلة ولو دقيقة، والحذر من الشرور وإن كانت قليلة، فإنها تجتمع حتى تهلك العبد، كما أن الخير وإن قل يجتمع يجتمع حتى ينفع العبد في آخرته وفي دنياه، والله أعلم.