بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فهذه الآية الكريمة من أعظم الآيات ومن أوضحها يبين سبحانه جل وعلا أنه أنزل كتابه الكريم على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لبيان ما ينفع الأمة في دينها ودنياها وأنه سبحانه جعل منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، وقد أوضح أهل العلم رحمة الله عليهم أن الآيات المحكمات هي الواضحة المعنى التي ليس فيها شبهة فهي أم الكتاب أصل الكتاب، وعليها المدار وجميع الآيات الأخرى ترجع إليها وتفسر بها، مثل قوله جل وعلا: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى.. (238) سورة البقرة، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ.. (23) سورة النساء، وأشباه ذلك، وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء.. (22) سورة النساء، وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ.. (43) سورة البقرة، وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى.. (32) سورة الإسراء، ..إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) سورة المائدة، يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ.. (276) سورة البقرة، .. وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا.. (275) سورة البقرة، إلى غير هذا من الآيات الواضحات، هذه أم الكتاب، وهذه واضحة المعنى، أما المشتبهات فهي التي لا يتضح معناها، وفي معناها خفاء فهي ترد إلى المحكم، ترد المشتبهات إلى المحكم من الآيات، مثل قوله جل وعلا: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.. (24) سورة النساء، فسرها العلماء بأن المحصنات يعني المزوجات السبايا؛ لأن غير السبيَّة إذا كانت مزوجة لا تنكح حتى يطلقها الزوج وتخرج من العدة، فهذه فسرتها المحكمات، (والمحصنات من النساء) فسرتها النصوص الدالة على أن السبية تطلق من زوجها الذي كان في الكفر، وتكون حلاً للمسلمين؛ ولهذا قال إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، فالمحصنات المزوجات ممنوعات محرَّمات إلا المملوكة السبية، فالمحصنات المزوجات لا يحل نكاحهن إلا بعد الطلاق والعِدَّة أو بعد الفسخ والعدة، إلا ما ملكت اليمين، فالمحصنة هي المزوجة إذا كانت ملك اليمين مسبية فإنها تحل ويكون سبيها طلاقاً لها، فتُستبرأ بحيضة، وتحل لمن سباها إذا قسمها ولي الأمر على الغانمين تكون حلاً لمن جاءه سبية من هذه السبايا، وإن كان لها زوج في الشرك؛ لأن السبي لها فرَّق بينها وبين زوجها وصارت حلاً للمسلمين السابيين وحرمت على زوجها بذلك. وهكذا ما أشبه من كل آياتٍ تشتبه على المسلم تفسر بالآيات المحكمات الواضحات المعنى في جميع القرآن، ومثل قوله جل وعلا: لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً (130) سورة آل عمران، ليس معناه أن الربا المضاعف هو الحرام واللي غير مضاعف ليس بحرام، لا، لأنه بين في الآيات الأخرى: .. وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا..، فهذه محكمة، فالمراد أن الربا المضاعف يكون أشد تحريماً أشد إثماً، وليس المراد تقييد الربا بالمضاعف، فلو باعه بيعاً ربوياً حرم عليه ذلك وإذا كرر ذلك صار التحريم أشد مضاعفة، فإذا مثلاً حل عليه الدين وهو مائة فجعله مائة وعشرة وأجَّل عليه مائة وعشرة، فإذا حلَّ الثاني وقال مائة وعشرين هذا ربا أشد وأشد تحريماً، فهذا مضاعف، وإذا حلَّ ثالثة وقال مائة وثلاثين صار أشد وأشد، لكن ليس معناه أن الربا الأول ما هو بحرام، الربا الأول حرام، لكن هذا المضاعف يكون أشد تحريماً، والنصوص تفسر بعضها بعضاً، فإن المشتبه على بعض الناس تفسره الآيات المحكمات في قوله: ..وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا..، والمقصود أن المحكمات ما اتضح معناه، والمشتبه ما خفي المعنى فإنه يرد إلى المحكم، مثل قوله جل وعلا: نَحْنُ أو إِنَّا ليس المراد بذلك أن الرب ثلاثة جماعة، كما تقول النصارى!، لا، الرب واحد، فإذا قال (نحن) فهي للتعظيم، مثل: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا (23) سورة الإنسان، وما أشبه ذلك، وما يأتي في النصوص الأخرى، فعلنا كذا أمرنا بكذا، وكل هذا من باب التعظيم لأنه سبحانه العظيم الذي لا أعظم منه، فإذا تكلم سبحانه بنون العظمة فالمراد بذلك أنه هو العظيم الشأن، وليس المراد التثليث، وهكذا إذا قال: (نحن)، إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) سورة الحجر، وما أشبه ذلك، وقوله جل وعلا في آيات كثيرة يعبر بنا، نون العظمة، إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا، ومثل ما أشبه ذلك من الآيات التي فيها تعبير بهذا الضمير المراد به التعظيم، وأنه سبحانه العظيم الذي لا أعظم منه، وليس المراد التثليث كما تقول النصارى قاتلهم الله.