الإنسان مخير ؛ لأن الله أعطاه مشيئة ، وأعطاه إرادة ، فهو يعلم ويعمل ، وله اختيار ، وله مشيئة ، وله إرادة ، يأتي الخير عن بصيرة ، وعن علم وعن إرادة ، وهكذا الشر ؛ كما قال تعالى: لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [سورة التكوير (28) (29)]. وقال سبحانه: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ [(67) سورة الأنفال]. فجعل لهم إرادة ، وجعل لهم مشيئة. وقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [(30) سورة النــور]. إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [(53) سورة النــور]. فجعل لهم عمل ، وجعل لهم صنع ، وجعل لهم فعل ، فهم يفعلون الشر والخير، ولهم الاختيار ، يختار المعصية ويفعلها ، ويختار الطاعة ويفعلها ، له إرادة وله اختيار. كذلك يختار هذا الطعام يأكل منه ، وهذا الطعام لا يريده ، يريد هذه السلعة أن يشتريها ، والأخرى لا يريدها. يستأجر هذه الدار والأخرى لا يستأجرها ولا يريدها ، يزور فلان والآخر لا يزوره بمشيئته واختياره. ولكن هذه المشيئة وهذا الاختيار وهذه الإرادة وهذه الأعمال كله بقدر ، فهو مسير من هذه الحيثية ، وأنه بمشيئته واختياره وأعماله لا يخرج عن قدر الله، بل هو بقدر الله : (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس)؛ كما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويقول الله - عز وجل -: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [(49) سورة القمر]. فالإنسان في تصرفاته مخير ، له مشيئة ، وله اختيار ، وله إرادة ، ولهذا استحق العقاب على المعصية ، واستحق الثواب على الطاعة ؛ لأنه فعل ذلك عن مشيئة ، وعن إرادة ، وعن قدرة. واستحق الثناء على الطاعة ، والذم على المعصية، ولكنه بهذا لا يخرج عن قدر الله، هو مسير من هذه الحيثية؛ كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [(22) سورة يونس]. وقال جل وعلا: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا [(22) سورة الحديد]. وقال سبحانه: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [(49) سورة القمر]. وقال: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [(29) سورة التكوير]. وكل شيء لا يقع من العبد إلا بقدر الله الماضي الذي سبق به علمه. وثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، وعرشه على الماء). وقال - صلى الله عليه وسلم-: (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس) رواه مسلم في الصحيح. كله بقدر ، فأنت مخيّر ومسير جميعاً ، مخير ؛ لأن لك إرادة ، ومشيئة ، وعمل باختيارك ، تفعل هذا وهذا، تفعل الطاعة باختيار ، تصلي باختيار، تصوم باختيار، تفعل المعصية منك باختيار من الغيبة والنميمة أو الزنا أو شرب المسكر كله باختيار عن فعل وإرادة، تبر والديك باختيار وتعقهما كذلك ، فأنت مأجور على البر ، مستحق العقاب على العقوق، وهكذا تثاب على الطاعات ، وتستحق العقاب على المعاصي. وهكذا تأكل وتشرب ، وتذهب وتجيء ، وتسافر وتقيم ، كله باختيار، فهذا معنى كونك مخير، ومسير يعني أنك لا تخرج عن قدر الله ، هو الذي يسيرك - سبحانه وتعالى - ، له الحكمة البالغة، فكل شيء لا يخرج عن قدر الله: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ [(29) سورة التكوير]. كما تقدم. وبالله التوفيق. جزاكم الله خيراً.