بر الوالدين من أهم المهمات ومن أعظم الواجبات، ومراعاة نفس الوالدة والحرص على رضاها, وعلى هدوء قلبها ونفسها أمر مهم جداً، ولكن لا يجب الحج عليها إلا إذا كانت قادرة مستطيعة من جهة المال لقول-جل وعلا-: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(آل عمران: من الآية97)، ولا يجب عليك أيضاً تحجيجها؛ لأن الحج عليها هي ليس عليك, لكن من مكارم الأخلاق, ومن محاسن الأعمال, ومن البر العظيم أن تراعي طلبها, وأن تحقق لها رغبتها حسب الإمكان, وتؤجل ما يتعلق بالزواج وتزويج من ذكرت إلى رجوعك من الحج؛ لأن الحج أمره عظيم, وفائدته كبيرة، والوالدة نفسها معلقة به، فإذا أحسنت إليها، وأخذت بخاطرها وحجيتها كان ذلك من أفضل القربات ومن أعظم الطاعات، أما والدك فلعله يسمح تقول له: إن الحج يشق عليك وأنت في هذه الحال، فلعله يسمح حتى تحجج أمك, أو تسمح هي بالصبر حتى يشفى فيحجا جميعاً، أو يسمح لها بالحج بعد ذلك، المقصود أن عليك أن تراعي هذه الأمور وأن تجتهد في سماحها حتى تؤدي الحج، أو سماح الوالد حتى تحج بها من دون مشقة عليه، وأما تركها وعدم مبالاتها فهذا شيء لا ينبغي؛ لأن إصلاح المزارع وتزويج من ذكرت كل هذا في الإمكان بعد الحج المدة ليست طويلة، فمراعاة خاطر الوالدة وتلبية طلبها والحرص على تحجيجها أمر مطلوب ولا سيما إذا كان الحج واجباً عليها؛ لأنها مستطيعة، فإن كانت غير مستطيعة فتلبية طلبها وتحجيجها ولو كانت غير مستطيعة فيه خير لك وفضل عظيم، وبر لها وإحسان إليها، وتطمين لقلبها فاحرص على ذلك، وابذل وسعك في تحقيق رغبتها إلا إذا كان الوالد يريد الحج معها وأنت لا تستطيع فاستعمل الكلام الطيب, والأسلوب الحسن في تأجيل حجهما جميعاً إلى وقت آخر، لعله يشفى ولعل الأمور تكون أيسر في الوقت المستقبل بعبارات حسنة وأسلوب حسن، أو بتوسيط من ترى من الأقارب والأصدقاء حتى يشيروا عليها وحتى ينصحوها بالتأجيل رفقاً بوالدك ورفقا بك، فإذا فعلت ذلك فأنت إن شاء الله على خير ومأجور. يذكر أن والدته لها تركة وهي تقول: إذا لم تحججوني فسوف أبيع أملاكي وأحج منها، فهل هو الحج واجب عليها. إذا كانت أملاكها تتسع لهذا ولا تحتاجها في نفقتها فلا بأس، إذا كان الوالد يقوم بحاجتها وهو غني يستطيع أن يقوم بحاجتها والنفقة عليها وإلا فنفقتها في مالها إذا كان عاجزاً، وأخشى أن تكون هذه الأموال لا تدر عليها شيئاً له أهمية بحيث يأخذ منه ما يحججها، فإذا كان المال هذا يحججها معنى تحتاج إليه في نفقتها إن كان زوجها عاجزاً فإنها يجب عليها الحج لكن يراعى في ذلك مسألة المحرم في السفر، إذا كان ليس لها محرم إلا ولدها فهي في هذه لا حج عليها إلا بوجود محرم، لقوله-صلى الله عليه وسلم-: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم)، فوجود المحرم من شروط وجوب الحج عليها، فإذا كان مالها يتسع للحج، فلا مانع أن يحج بها من مالها، أو يحج بها من ماله ويدع مالها لها كما هو ظاهر كلامه، وله في هذا الأجر العظيم إذا لاحظها وأكرمها وحججها بماله فهو خير له ومن أعظم البر لها ومن تطييب نفسها, لكن يراعى في ذلك مسألة الوالد لئلا يشق على والده في الحج، وهو بهذه الحال التي ذكر من المرض، وهكذا يشق على الوالد أيضاً كونه يقوم بذلك مع كونه عاجزاً بسبب المرض الذي يكون فيه حالياً، فالحاصل مثلما تقدم أنه يوسط من يرى من الأخيار حتى ينصحوا الوالدة ويشيروا عليها بالتأجيل إلى أن يشفى والده وإلى أن تكون الأمور أيسر من هذا الوقت.