بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فإن الله سبحانه شرع لعباده الزواج للذكور والإناث، قال سبحانه: وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ.. (32) سورة النــور، وقال عز وجل: ..فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ... الآيةْ (3) سورة النساء، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)، فهذا يعم الجميع يعم الرجال والنساء، فالواجب على الرجل والمرأة هو الزواج إذا تيسر ذلك واستطاع ذلك؛ لما في الزواج من المصالح العظيمة: من عفة الفرج، وغض البصر، وتكثير الأمة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة)، فالنبي صلى الله عليه وسلم يكاثر الأمم بأمته عليه الصلاة والسلام، فتكثير الأمة في عبادة الله وطاعة الله أمر مطلوب، فالرجل يجب عليه أن يسعى في ذلك ويبذل وسعه حتى يتزوج، قد اختلف العلماء رحمة الله عليهم في الوجوب: فقال قوم من أهل العلم: أنه يشرع ولا يجب إلا إذا خاف على نفسه الفاحشة، فإن خاف عن نفسه وجب عليه الزواج وإلا فلا، والصواب أنه يجب عليه إذا كان ذا شهوة، فإنه يجب عليه الزواج إذا استطاع ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج..)، ولم يقل: إن خاف على نفسه، بل قال: (فليتزوج) وأطلق، وهذا أمر والأمر أصله للوجوب، ما لم يرد ما يدل على صرفه عنه، والمرأة كذلك إذا كانت ذات شهوة وترغب في النكاح فإن عليها أن تتزوج إذا تيسر لها الزوج، لما في ذلك من التسبب في إحصان الفرج وغض البصر والبعد عن أسباب الهلكة؛ ولأنها من جنس الرجل في المعنى، فكما يجب على الرجل أن يحصن فرجه ويسعى في غض بصره فهي كذلك، والله يقول سبحانه: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (16) سورة التغابن، فإذا تيسر لها الزواج وهي ترغب في النكاح كسائر النساء فالواجب عليها أن تتزوج، وتأثم إذا تركت ذلك، أما إذا لم يتيسر ذلك ولم يحصل لها الزواج فلا حرج عليها؛ لأن الله سبحانه يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا (286) سورة البقرة، ولكن متى استطاعت ولو ببذل شيء من مالها ولو بمهر قليل، إذا خطبها الكفء فإن الواجب عليها وعلى أوليائها أن يساعدوها في الزواج ولا يعطلوها من أجل حب المال وكثرة المال أو من أجل المفاخرة بالولائم، كل هذا لا يجوز، بل الواجب إذا جاء الكفء أن يزوج ولو قلَّ المال، فالمهم ليس هو المال، المهم هو حصول الرجل الصالح، والمهم في حق الرجل الحصول على المرأة الصالحة؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: (فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يداك)، قال عليه الصلاة والسلام: (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك)، ويروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقة فزوجوه -واللفظ الآخر: وأمانته- إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، فالمقصود أن التزوج فيه مصالح جمة للرجل والمرأة، وعلى الرجل أن يسعى في التماس المرأة الصالحة التي تعفه ويحصل بها المطلوب لجمالها ودينها، والمرأة كذلك عليها أن تسعى في ذلك بما تستطيع من الطرق الحسنة وأن لا ترد الكفء إذا خطب، وعلى أوليائها أن لا يردوا الكفء لما في ذلك من المصلحة العظيمة؛ ولأن في الزواج مع غض البصر وحفظ الفرج التوصل إلى تكثير الأمة في كثرة عددها كما أرشد إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، والمصالح كثيرة في الزواج للرجلين للرجل والمرأة للصنفين، فينبغي لكل منهما العناية بهذا الأمر، والحرص عليه بالطرق الحكيمة والطرق السليمة الشرعية التي تسبب حصول الزواج من دون وقوع في محارم الله، ومن دون تعرض لما يغضب الله سبحانه وتعالى، رزق الله الجميع التوفيق والهداية. إذاًَ ترك الزواج يعتبر حراماً؟ ج/ لا يجوز، نعم، مع القدرة.