Contact   Mail List

فضل العلم والعمل

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد[1]:

فإني أشكر الله عز وجل على ما من به من هذا اللقاء بأبناء كرام، وإخوة في الله في مقر جامعة الإمام محمد بن سعود رحمه الله للتواصي بالحق والتناصح والتعاون على البر والتقوى، وعنوان الكلمة: "فضل العلم والعمل".

وأسأل الله جل وعلا أن يجعل هذا اللقاء لقاءً مباركا، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعاً، وأن يمنحنا وإياكم وسائر المسلمين الفقه في الدين والثبات عليه، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يولي عليهم خيارهم، ويصلح قادتهم، كما أسأله سبحانه أن يوفق ولاة أمرنا لكل خير، وأن يعينهم على كل خير، وأن ينصر بهم دينه، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يجعلنا وإياكم وإياهم من الهداة المهتدين، إنه جل وعلا على كل شيء قدير.

أيها الإخوة في الله: إن الله جل وعلا خلق الخلق ليعبدوه، وأرسل الرسل وأنزل الكتب لهذه الحكمة العظيمة، لدعوة الناس إلى عبادة الله وبيانها لهم وإيضاحها لهم، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ[2]، وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[3]، وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ[4]، وقال عز وجل: الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ[5]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((من سلك طريقاً يلتمس به علماً؛ سهل الله به طريقاً إلى الجنة))[6]، ويقول أيضا عليه الصلاة والسلام: ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيثاً أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها طائفة أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان لاتمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به))[7] متفق على صحته. وهذا الحديث العظيم يبين لنا أقسام الناس وأنهم ثلاثة:

قسم: تفقهوا في الدين وعلموا وعملوا، فهم مثل الأرض الطيبة التي قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، تعلموا وتفقهوا في الدين وعلموا الناس.

وقسم: تعلموا وتفقههوا ونقلوا العلم إلى الناس، وليس عندهم من التوسع ما عند الأولين في التعليم والتفقيه في الدين، بل يغلب عليهم الحفظ ونقل الأخبار والروايات.

وقسم ثالث: أعرضوا، فلم يتفقهوا في الدين ولم يحملوه، فمثلهم كمثل القيعان التي لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً.

وهذا الحديث يدل على وجوب التفقه في الدين، والتعلم على كل مكلف؛ حتى لا يكون من الطائفة الثالثة، ثم أنت ياعبد الله مخلوق لعبادة الله، مأمور بها، ولاسبيل إلى أن تعرفها وأن تفقه فيها إلا بالعلم، كيف تؤدي عبادة لا تعرفها؟ وأنت مخلوق لها، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[8]، وأنت مأمور بها، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[9]، والرسل بعثوا بها والدعوة إليها، قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ[10].

ولا سبيل إلى هذه العبادة وأدائها على الوجه المطلوب إلا بالله ثم بالعلم والتفقه في الدين، وهذه العبادة هي دين الإسلام، هي الإيمان والهدى، هي طاعة الله ورسوله، هي توحيد الله واتباع رسول الله عليه الصلاة والسلام، هي الهدى الذي بعث الله به نبيه في قوله جل وعلا: وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى[11]، هذه العبادة هي توحيد الله وطاعته، هي اتباع الرسل، هي الانقياد لشرع الله، هي الإسلام، هي الإيمان هى الهدى، هي التقوى والبر، هذه هي العبادة، فالواجب التفقه فيها والعلم والتبصر من منطلق الكتاب العزيز والسنة المطهرة.

وهذان منبع العلم: القرآن العظيم، والسنة المطهرة هما السبيلان لمنهج الله واتباعه، ثم إجماع سلف الأمة الذي استند إلى هذين الأصلين، هو: الأصل الثالث في معرفة الحق واتباعه، يقول النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين))[12]، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه))[13]، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً؛ سهل الله له به طريقاً إلى الجنة))، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لاينقص ذلك من آثامهم شيئاً))

احصائيات المواد
( 4983 ) فتاوى
( 257 ) الصوتيات
( 636 ) الإملاءات
( 12312 ) نور على الدرب