جوانب من سيرة الإمام عبدالعزيز بن باز

لتحميل نسخة الكتاب كاملا اضغط هنا

الحمد لله الذي رفع أهل العلم والإيمان درجات، والصلاة والسلام على أزكى الخلق وأشرف البريات، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أولي الفضائل والكرامات. أما بعد: فإن وظيفة العلم أشرف الأعمال قدراً، وأسماها منزلة، وأرحبها أفقاً، وأثقلها تبعة، وأوثقها عهداً، وأعظمها عند الله أجراً. وإن العلماء هم ورَّاثُ الأنبياءِ، الآخذون بأهم تكاليف النبوة، وهي الدعوة إلى الله، وتوجيه خلقه إليه، وتزكيتهم بالعلم، وترويضهم على الحق؛ حتى يفهموه، ويقبلوه، ويعملوا به، ويعملوا له. هذا وإن سير العظماء من الرجال لمن أعظم ما يبعث الهمة، ويقدح زندها، ويذكي أُوَارها؛ ذلك أن حياة أولئك تتمثل أمام القارئ، وتوحي إليه بالاقتداء بهم، والسير على منوالهم. وكثيراً ما دفع الناس إلى العمل الجليل حكايةٌ قرؤوها عن رجل عظيم، أو حادثة رويت عنه. والحديث في هذا الكتاب سيتناول جوانب من سيرة الإمام القدوة العلامة بقية السلف، وشيخ الإسلام، ومفتي المسلمين سماحة والدنا وشيخنا أبي عبدالله، الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز×. ذلك البحر الخِضَمُّ، والطود الأشم، الذي بَعُدَ صيتُه وتناهى فضله، وكمل سؤدده.

ذلك الإمام الذي قل أن يوجد له نظير، والذي قل أن تند عنه خصلة من خصال الخير؛ فلقد جمع الله له من حميد الخلال، وكريم الخصال مالم يجمع لغيره إلا في القليل النادر على مر الأزمان.

ماذ يقول الواصفون له وصفاته جلَّت عن الحصر علم في حلم، وحزم في عزم، وتواضع في شَمم، وغيرة على الحق لا تكفكفها رغبةٌ في مدحٍ، أو حذرٌ من ذم، ووضاءة أخلاق في متانة دين، وبراعة بيان في صدق يقين، وعزة نفس في سخاوة طبع، حتى لكأن البحتري يعنيه بقوله:

فلك الفضائل من فنون محاسنٍ   بيضاً لأفراط الخلاف وشيما
جُمِعَتْ عليك وللأنام مفرقٌ      منها فأفراد قُسِمْنَ وتوما
ما نال ليثُ الغابِ إلا بعضَها      حتى رعى مُهَجَ النفوسِ جميما
شاركته في البأس ثم فَضَلْتَهُ       بالجود محقوقاً بذاك زعيما

وإذا اجتمعت تلك الخصال في شخص ما_فاعلم أن وراء ذلك عظمة؛ فانسج بعد ذلك من برود الثناء ما شئت دونما شطط، ثم أهدها لتلك العظمة الحقة.ولئن كان أكثر العظماء يتوهج في مقتبل عمره ثم يذوي بعد ذلك ويذبل_فإن شيخنا لا تطّرد هذه القاعدة في حقه.

بل هو كالعود الهندي لا يزيده تقادم الأيام إلا زكاءً وطيباً، وكمالاً، وجلالاً؛ فمآثره تتجدد، وهمته تعلو وتسمو، وذاكرته تقوى وتزداد سنة بعد سنة، وتضلعه بالمسؤوليات، وقيامه بالتبعات يتضاعف يوماً بعد يوم، وأياديه البيضاء تَسِحُّ بالعطاء إثر العطاء، وعلمه يزدان ويزداد، والثقة به، والقبول له بازدياد واطراد؛ فبقي حاضراً متوهجاً، معطاءً حتى آخر لحظة من عمره.

الله أكبر! عبادة لله حتى اليقين، وحياة عامرة بالعمل المجيد حتى طويت كطيِّ السجل للكتب.

تلك حياة فقيد الأمة الذي سكنت أنفاسه، وحسامه مُخَضَّب بدم الجهاد في سبيل الحق؛ فلم يمُتْ على فراشه ملقي السلاح كما يموت ضعيف العزيمة مزلزل الإيمان.

بل لقد كان لسانه بالحق قوَّالاً، وعزمه في دحض الباطل صوّالاً، وفكره في هموم الأمة ومصالحها جوَّالاً.

وبعد أن رحل عن الدنيا أبقى لنا سيرة غراء، وذكراً أطيب من ريح المسك.

فذٌّ عزيزُ المِثل جوهرُه  زاكٍ كأنفاس الشذَّا بَرُّ
غالٍ على المُهَجات حاليةٌ  بجهاده الآثارُ والعُصْرُ
مُتفَرِّدٌ بخلائقٍ غُرَرٍ  بجمالها يتفاخر الفخرُ
في كل صالحة له خبرٌ  ولكل محمدة له صُوْرُ
صافٍ كماء المزن ظاهره  كضميره وكسرِّه الجهر
عَلَمٌ على الذُّرُوات رفَّ كما  رف السنا وتلامح النُّوْر
العلمُ ملءُ جنانه دُفَقٌ  والعقل خلف لسانه وَقْرُ
تتألق الفصحى على فمه  زهواً كما يتألق البدرُ
عالٍ على الأهواء مُتِّشِحٌ  بِحِجَاً له في لمحه غوْرُ
مصباحه الفرقان يتبعه  أنى أشارات آيُهُ الزُّهْرُ
ينحو ويسلك ما تفهَّمه  منه النبيُّ وصحبه الغُرُّ
ويقيم من مالوا به جنفاً  حتى يثوب إلى الهدى الصُعْرُ
كم نزَّه الإسلام من بدعٍ قد باضها الشيطان والكفرُ
مقبوحةٍ شوهاء شاه بهاً  وجه الهدى وتلوث الطهرُ
كان الحكيمَ الطَّبَّ بلْسَمُهُ رفق الحديث وفقههُ البحرُ
أدبُ النبوة ما تنخَّلَهُ  والحكمةُ الزهراءُ واليسرُ
بلغ المدى واليسرُ يبلغ ما  يعيا ببعض طِلابِهِ العسرُ
نظراته لطفٌ وبسمتهُ  رُحْمى وعَذْبُ حديثه نَشْرُ
خلع الحياءُ عليه بَهْجَتَه  وله جلال السِّنِّ والقدْرُ
أبقيةَ السلف الكرام زهت  بجلالك الحرمات والذكرُ
عذراً إليك فقد وهى جلدي  وخبت قواي وخانني الصبرُ
ما بعد روحي ما أذوِّبه  ياليت شعري هل وفى العذرُ

 

ولنا بعد ذلك أن نتساءل: ما سر هذه العظمة ؟ وما سر تلك المحبة التي تملكت القلوب، وتخللت مسلك الروح من الناس ؟ والجواب: أن ذلك يرجع لمحض فضل الله_عز وجل_حيث وهب الإمام مواهب فطرية عظيمة، وجبله على سجايا وخصال عديدة حميدة.

وتلك المواهب والسجايا والخصال غُذِّيت بلَبان العلم والإيمان، ومزجت بإكسير الإخلاص والتقوى؛ فآتت أُكلها ضعفين. ويرجع ذلك_أيضاً_إلى جدِّ الإمام وتشميره، واقتدائه بسلفه الصالح، ومن اقتدى بأولئك السَّرَاة صار للمتقين إماماً؛ فاقتدى به من معه، ومن بعده.

وسرٌّ بديع يتمثل بقول الله: [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدّاً] مريم: 96.

وقول النبي": إذا أحب الله عبداً أوحى إلى جبريل أني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل بأهل السماء: أن الله يحب فلاناً فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء، ثم يطرح له القبول في الأرض.

وإذا أحب الله يوماً عبده ألقى عليه محبة في الناس وسرٌّ آخر، ألا وهو بذل الإمام نفسه، ووقته، وماله، وعلمه، وراحته في سبيل نشر الخير، ونفع الناس، مبتغياً بذلك وجه الله.

وبعد فلقد كان لنا في حياة الإمام عظات، ولنا_أيضاً_في موته عظات، وإن أعظم موعظة نأخذها أن ندرك أنْ ليس للإنسان إلا ما سعى، وأنه لا ينفع الإنسان إلا ما قدمه من أعمال صالحات، ومآثر خيِّرات، وأن نستحضر أن العلم والإيمان يرفعان صاحبهما عند الله وعند خلقه درجات.

وإن كنا محبين للإمام معجبين بسيرته_فلتلهج ألسنتنا بالدعاء له، ولنتخذ من سيرته نبراساً نسير عليه؛ فهو لم يصل إلى ما وصل إليه إلا باقتدائه بمن سبقه من سلفه الصالح؛ وعلى رأسهم_رسول الله".

لقد مات الرسم، وبقى الاسم، واتفق الودود والكنود على الفضل والعلم.

لقد بكى الإمامَ الكبيرُ والصغيرُ، والغني والفقير، والمأمور والأمير، والرجال والنساء، والموافق والمخالف.

وتبكيه مشاهد كانت بوجوده مشهودة، ومعاهد كانت في ظلال رعايته وتعهده عليها ممدودة، ومساجد كانت بعلومه ومواعظه معمورة، ومدارس كانت بفيضه الزاخر ونوره الزاهر مغموره، ومجالس كان حاديَ زمرها إلى العلم، وقائد نزاعها إلى الإحسان والسلم.

لقد بكته الأمة التي أراد رشادها، وقوَّم منآدَها، وأصلح فسادها، وملك بالاستحقاق قيادها، وحملها على المَعْلم الواضح والعَلَم اللائح حتى أبلغها سدادها.

ولقد بكته أمم شَبَّت على يديه، وتربت تحت رعايته، ونهلت من علمه، وقبست من فضله.

ولقد بكاه الفقراء و المعوزون، وطالبو الشفاعات والمساكين الذين كانوا يحتمون بِطِرافه السامي الذُّرا، ويأوون إلى حرمه الذي لا يضهد؛ فيلقون القلب الرحيم الذي يحنو عليهم حنوَّ المرضعات على الفطيم.

وبكته ساحات الجهاد؛ حيث فقدت نصيحها، ونصيرَها، ورابطَ جأشِها، ومقويَ عزائمها، والحريص على جمع كلمتها، ورأب صدعها.

وما مَثُلُ مَنْ بُلوا بفقد الإمام إلا كالمدلجين يطلع عليهم القمر ساطعاً، فيستبينون به أعلام الطريق رشداً، حتى إذا ازدهتهم طلعتُه، وتدفقت حولهم أشعتُه_توارى بالحجاب فإذا هم مظلمون.

أجَلْ لقد ذهب ذلك الأمل المروِّح عن القلب، وأصبحت الذكريات تبعث الحسرات فتجعلها ركاماً.

وهل بالوسع نسيان الشيخ الإمام ؟ وهل تغيب ذكراه عن قلب كل محب له ؟ وهل يسلاه من رآه، أو جالسه، أو سمعه، أو سمع به ؟

إن ذكراه لتتجدد بكل مناسبة، وإنها لتتمثل بكل سبيل؛ فماذا نقول ؟ وماذا ندع ؟

يمكنكم تحميل كتاب جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز بالضغط هنا

 

احصائيات المواد
( 4983 ) فتاوى
( 257 ) الصوتيات
( 636 ) الإملاءات
( 12312 ) نور على الدرب