أرسل مقترحا  القائمة البريدية
 
تكذيب ونقد لبعض ما نشرته مجلة (المصور)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فقد نشرت مجلة (المصور) في عددها رقم (2166) الصادر في 24/ الجمعة 1385 هـ الموافق 15 أبريل 1966م في الصفحة 15 من العدد المذكور ما نصه:

المبادئ المستوردة بقلم: أحمد بهاء الدين:

(يقول: نبأ من السعودية أن نائب رئيس الجامعة الإسلامية هناك نشر مقالاً منذ شهرين في جميع الصحف أهدر فيه دم كل من يقول: إن الأرض كروية وإن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس، وإذا كان يبدو غريباً أن يذاع هذا الرأي في 1966م وفي عصر الفضاء، فصاحب هذا الرأي له فضيلة واضحة وهي أنه منطقي مع ما تردده المملكة العربية السعودية هذه الأيام من أفكار وآراء، فحكام المملكة العربية السعودية لا يتحدثون الآن إلا عن الأفكار والنظريات المستوردة، ولا يدعون إلى الحلف الإسلامي إلا بدعوى درء خطر الأفكار المستوردة عن المسلمين، وهم يقصدون الاشتراكية بالطبع ولكنهم لا يناقشون الاشتراكية ولا فكرة العدالة الاجتماعية، وإنما يكتفون برفضها بناء على أنها مستوردة... الخ) انتهى المقصود.

وجوابي عن ذلك أن أقول: (سبحانك هذا بهتان عظيم) لقد نشر المقال الذي أشار إليه الكاتب في جميع الصحف المحلية في رمضان 1385 هـ، واطلع عليه القراء في الداخل والخارج وليس فيه ذكر كروية الأرض بنفي ولا إثبات فضلاً عن إهدار دم من قال بها، وقد وقع فيما نقلته في المقال من كلام العلامة ابن القيم رحمه الله ما يدل على إثبات كروية الأرض فكيف جاز لأحمد بهاء الدين، أو من نقل إليه هذا النبأ أن يقدم على هذا البهتان الصريح وينسبه إلى مقال قد نشر في العالم وقرأه الناس، سبحان الله ما أعظم جرأة هذا المفتري، ولكن ليس بغريب أن يصدر مثل هذا الافتراء عن أنصار الإلحاد والمذاهب الهدامة فقد قال الله عز وجل: إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ[1]، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)، وإنما أهدرت في المقال دم من قال إن الشمس ثابتة لا جارية بعد استتابته، وما ذلك إلا لأن إنكار جري الشمس تكذيب لله سبحانه، وتكذيب لكتابه العظيم، وتكذيب لرسوله الكريم، وقد علم بالضرورة من دين الإسلام وبالأدلة القطعية وبإجماع أهل العلم أن من كذب الله أو رسوله أو كتابه فهو كافر حلال الدم والمال، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل، وليس في هذا بحمد الله نزاع بين أهل العلم.

وأما قول الكاتب: (إذا كان يبدو غريباً أن يذاع هذا الرأي في سنة 1966 م وفي عصر الفضاء... الخ).

فالجواب عنه أن يقال: لا ريب أن إظهار الحق ونشره في هذا العصر ودعوة الناس إليه يعتبر من الأمور الغريبة وذلك لاستحكام غربة الإسلام وقلة دعاة الحق وكثرة دعاة الباطل، وهذا مصداق ما أخبر به نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال في الحديث الصحيح: ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء))، وفي رواية: ((قيل يا رسول الله من الغرباء؟ قال الذين يصلحون إذا فسد الناس))، وفي لفظ آخر: ((قال هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي))، فيتضح من هذا الحديث الشريف لذوي الألباب أن الدعوة إلى الحق وإنكار ما أحدثه الناس من الباطل عند غربة الإسلام يعتبر من الإصلاح الذي حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأثنى على أهله، ويتضح للقراء أيضاً من هذا الحديث العظيم أنه ينبغي لأهل الحق عند غربة الإسلام أن يزدادوا نشاطاً في بيان أحكام الإسلام، والدعوة إليه، ونشر الفضائل ومحاربة الرذائل، وأن يستقيموا في أنفسهم على ذلك حتى يكونوا من الصالحين عند فساد الناس، ومن المصلحين لما أفسد الناس والله الموفق سبحانه.

وأما ما أشار إليه الكاتب في آخر كلامه من انتقاد من يحارب الأفكار والنظريات المستوردة وحمله على حكام المملكة العربية السعودية وتهمته إياهم بمحاربة الأفكار والنظريات المستوردة كالاشتراكية، وأنهم لا يدعون إلى الحلف الإسلامي إلا بدعوى درء خطر الأفكار عن المسلمين الخ..

فجوابه أن يقال: إن الأفكار والنظريات المستوردة فيها الحق والباطل فلا يجوز للمسلمين أن يقبلوها مطلقاً ولا أن يردوها مطلقاً، بل الواجب هو التفصيل في ذلك، فما كان منها حقاً أو نافعاً للمسلمين مع عدم مخالفته لشرع الله سبحانه فلا مانع من قبوله والانتفاع به؛ لأن الإسلام هو دين الله الكامل الذي دعا إلى كل خير وإلى كل إصلاح، ونهى عن كل ما يضر المسلمين ويفسد مجتمعهم، وأمر أهله أن يحرصوا على ما ينفعهم ويستعينوا بالله على ذلك، وأن يعدوا كلما استطاعوا من قوة لعدوهم، وأن يأخذوا حذرهم منه، وأن يتكاتفوا ويتعاونوا على البر والتقوى، وأن يعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرقوا، وحذرهم سبحانه من اتباع أهواء أعدائهم، وأخبر عز وجل أن أعداءهم لن يغنوا عنهم من الله شيئاً.

فالأفكار النافعة والنظريات الصحيحة قد جاء بها الإسلام ودعا إليها، فليست مستوردة عليهم، بل هو السابق إليها وإن خفيت على بعض أتباعه وظنوا أنها مستوردة من أعدائه، وإنما قصارى ما يأتي به الأعداء من الأفكار الصحيحة والنظريات الموافقة للشرع أن يذيعوها بين الناس ويلبسوها لباساً يوهم أنها من عندهم، وأنهم مبتكروها والدعاة إليها، وليس الأمر كذلك، وإنما الفضل في ذلك للإسلام عليهم، حيث نبههم عليها وأرشدهم إلى أصولها وثمراتها، فنسبوا ذلك إلى أنفسهم وجحدوا نسبة الحق إلى أهله، إما جهلاً وإما حسداً، والحكومة العربية السعودية حين تحارب الاشتراكية وغيرها من المذاهب الهدامة لم تحاربها لكونها مستوردة وإنما حاربتها لأنها نظام إلحادي مخالف للشريعة، ينكر الأديان والشرائع، ويحارب الله سبحانه وينكر وجوده، ويحل ما حرم، ويحرم ما أحل، وإن استخفى معتنقوه في بعض الأمكنة وفي بعض الأزمنة بشيء من هذا ولم يظهروه لأسباب قد تدعوهم إلى ذلك، فالأمر واضح وكتبهم تنادي بذلك وتدعوا إليه، وإمامهم (ماركس) اليهودي الملحد قد صرح بذلك ودعا إليه ولكن الواقع هو كما قال الله عز وجل: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ[2]، والحكومة السعودية قد استوردت أشياء كثيرة نافعة ولم تحاربها لما ظهر لها نفعها.

وأما قول الكاتب: (أن حكام السعودية حين دعوا إلى الحلف الإسلامي إنما دعوا إليه بدعوى درء خطر الأفكار المستوردة).

فالجواب عنه أن يقال: إنهم لم يدعوا إلى حلف إسلامي، وإنما دعوا إلى التضامن الإسلامي والتقارب والتكاتف الذي أمر الله به ورسوله، فالله سبحانه قد أمر المسلمين أن يعتصموا بحبل الله جميعا ولا يتفرقوا، وأن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يكون بعضهم لبعض كالبنيان المرصوص ضد أعدائهم ومناوئيهم وفي كل ما يتعلق بمصالحهم، وأن يحاربوا الأفكار والمذاهب التي تخالف دينهم. وليس هذا حلفاً بل هو أعلى من الحلف فهو واجب مقدس وفرض محتم على ملوك المسلمين وزعمائهم وعلمائهم، بل وعلى كافتهم، وأن يستقيموا على دين الله ويحافظوا عليه ويدعوا إليه، وأن يقفوا صفاً واحداً متراصاً ضد أعدائهم وضد ما يحاك لهم من المكائد، ويبيت لهم من الأخطار عملاً بقول الله عز وجل: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ[3]، وقوله سبحانه: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ[4]، وقوله جل وعلا: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا[5]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً: وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا: وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم)) أخرجه الإمام مالك في الموطأ والإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح، وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه بدون قوله: ((وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم)).

وقوله عليه الصلاة والسلام: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه)) متفق عليه، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) متفق عليه، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

وجلالة الملك فيصل ملك المملكة العربية السعودية وفقه الله حين قام بالدعوة إلى التضامن الإسلامي وجمع كلمة المسلمين وتوحيد صفهم وأن يقفوا كتلة واحدة أمام الأخطار المحيطة بهم قد أدى بذلك واجباً عظيماً وعملاً جليلاً يشكر عليه، ويجب على سائر ملوك المسلمين وزعمائهم وعلمائهم وأعيانهم أن يساعدوه في ذلك، وأن يضموا أصواتهم لصوته، وجهودهم لجهوده، وأن يكونوا جميعاً متكاتفين متساعدين على إعلاء كلمة الله، ونصر دينه، وتحكيم شريعته، وتطهير عقيدة شعوبهم من المذاهب الهدامة والأفكار المنحرفة والعقائد الزائفة، وأن يجمعوا جهودهم لإعداد ما استطاعوا من قوةٍ لصد الأخطار المحدقة بهم، وأن يكونوا معسكراً متكاملاً له عدته وله كيانه وله وزنه في المحيط الدولي والسياسي والاقتصادي والصناعي وسائر مقومات المجتمع ووسائل نهضته وصموده أمام كل خطر، كما أمرهم بذلك دينهم، وأرشدهم إليه كتاب ربهم؛ حيث يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ[6]، ويقول سبحانه: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ[7]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي))، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن)) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه.

وأسأل الله عز وجل أن يوفق قادة المسلمين من الملوك والرؤساء والزعماء والعلماء وغيرهم لما فيه صلاح الأمة ونجاتها وسعادتها في الدنيا والآخرة وأن يجمع كلمتهم على الهدى، وأن يمنحهم الفقه في دينه والبصيرة بحقه، وأن يعيذ الجميع من شرور النفس وسيئات العمل وكيد الأعداء، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.


[1] سورة النحل الآية 105.

[2] سورة الحج الآية 46.

[3] سورة آل عمران الآية 110.

[4] سورة الأنبياء الآية 92.

[5] سورة آل عمران الآية 103.

[6] سورة النساء الآية 71.

[7] سورة الأنفال الآية 60.


طباعة أرسل الصفحة إلى صديق أضف إلى المفضلة أضف إلى المفضلة أرسل الصفحة إلى صديق طباعة الصفحة

الخميس 26 رمضان 1435
احصائيات المواد
( 4983 ) فتاوى
( 257 ) الصوتيات
( 636 ) الإملاءات
( 12312 ) نور على الدرب
 

المتواجدون الآن ( 449 )
37.38