بيان بشأن التفجيرات الإرهابية
1 صفر 1439 هجري - السبت 21 أكتوبر 2017 ميلادي

• مادة منتقاة تجمع المسائل التي تكثر الحاجة إليها في أبواب العقيدة والفقه والمعاملات من فتاوى الشيخ عبدالعزيز ابن باز، جمع وترتيب القسم العلمي بمؤسسة ابن باز الخيرية.

زهد سماحة الشيخ

لايكاد يعرف في زماننا هذا أزهد من سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله مع أن الدنيا تقبل عليه ، وتتزين له ، إلا أنه زاهد بها ، مشيح بوجهه عنها.
فلا أذكر في يوم من الأيام أنه سأل عن راتبه ، ولا عن مقداره ، ولا عن زيادته ، ولا عن وقت مجيئه ، ولا أذكر أنه سأل عن انتدابه ، أو عن رصيده أو حسابه ، لا يسأل عن ذلك ولا يعبأ به.
ولا أذكر أنه تكلم ببيع ، أو شراء ، أو أمر من أمور الدنيا إلا على سبيل السؤال عن حاجة أحد ، أو الشفاعة له ، بل كان كثير الوصية بالتحذير من الاغترار بالدنيا.
وسماحة الشيخ كان يعيش عيشة القناعة ، والزهد والكفاف؛ فلم يكن يمسك شيئاً من حطام الدنيا ، ولم يكن يتطلع إلى مال ، أو جاه ، أو منصب.
بل كان ينفق انفاق من لا يخشى الفقر ، وكان زاهداً بالجاه ، والمراتب ، والمديح ، وحب الذكر.
ولم أسمع منه أو عنه أنه مَالَ في يوم من الأيام إلى الدنيا ، أو طلب شيئاً من مُتَعِها.
وكان يكره الحديث في تغيير أثاث منزله ، أو سيارته ، أو أن يقال له: عندك كذا وكذا.
وكان يكره الخوض في الأحاديث الدنيوية البحتة التي ليس من ورائها مصلحة للمسلمين ، أو للدعوة.
ومما يدل على زهده كثرة إنفاقه ، وإسقاطه الدين عمن اقترض منه ولو كان كثيراً؛ فلا أحصي كثرة ما طرحه من الديون عن أناس اقترضوا منه.
وأذكر أنه قبل عشر سنوات أملى عليَّ كتباً لبعض من أقرضهم ، وقال: =أخشى أن يفاجئني الأجل ، وأحب أن أخبركم أنني قد سامحتكم ، وأبرأتكم ، ولم يبق لي عليكم شيء+.
ولا أذكر أنه طالبَ أحداً له حق عليه.
وأذكر أنه قبل وفاته بثلاث سنوات أقرض شخصاً سبعمائة ألف ريال ، ثم أرسل إليه يخبره بأنه قد طرحه عنه ، فقلت له؛ شفقة عليه ، ورغبة في سماع ما عنده: أعظم الله أجر هذا الحساب_أعني حساب سماحة الشيخ الخاص_فالتفت إليَّ وقال: يا ولدي ! لا تهمك الدنيا ، أنا بلغت من العمر سبعاً وثمانين ، ولم أر من ربي إلا خيراً ، الدنيا تذهب وتجيء ، وفَرْقٌ بين من يتوفى وعنده مائة مليون ، ومن يتوفى وليس لديه شيء؛ فالأول ثقيل الحساب والتبعة ، والثاني بعكس ذلك كله.
وما ثناك كلام الناس عن كرم
ومن يسدُّ طريق العارض الهطِلِ

ومن صور زهده رحمه الله : زهده في المديح والإطراء؛ فكثيراً ما تقرأ عليه بعض الرسائل التي تفيض بالحب ، والدعاء والثناء على سماحته؛ فإذا بدأنا بقراءتها قال: اتركوا المقدمة ، اقرؤوا المقصود؛ ماذا يريد صاحبها ؟ أنا لا أحب أن أسمع مثل هذا الكلام.
وكثيراً ما يأتي بعض الناس ، ويكثر من الثناء على سماحته ، ويذكر بعض أوصافه ، وهو يتململ ويتغير وجهه ، ويقول: الله المستعان ، الله يتوب على الجميع ، الله يستعملنا وإياكم فيما يرضيه.
ويأتي إلى سماحته بعض الناس ويقول: رأيت فيك رؤيا منامية صالحة_إن شاء الله_.
فيلزم سماحته الصمت ، ولا يطلب من الرائي ذكرها ، ولكن ذلك الشخص يبدأ بذكرها ، وسماحة الشيخ لا تظهر عليه الرغبة في سماعه ا؛ ولكن أدبه يأبى عليه أن يُسْكِتَ المتكلم ، فإذا انتهى قال: خير إن شاء الله ، والمُعَوَّل على عفو الله.
ولم أسمع منه يوماً من الأيام أنه سأل أحداً عن دخله الوظيفي ، أو عن ممتلكاته.
وفي يوم من الأيام جاءه أحد الناس المعروفين لديه ، وخاض في أمور الدنيا وقال: يا سماحة الشيخ ! نحن بخير ، وعندنا كذا وكذا ، وقد اشتريت أرضاً بكذا وكذا ، والآن هي تساوي خمسة وأربعين مليون ريال.
فالتفت إليه سماحة الشيخ وقال: مادام أنها بلغت هذا المبلغ فبعها ، ماذا تنتظر ، واصرفها في وجوه الخير ، أو أعطنا إياها نصرفها لك.
فسكت ذلك الرجل ، ولم يحر جواباً.
ولم أسمع أن سماحته ساهم مساهمة في أرض أو شراكة.
وقد حاولت أن أقترح عليه بأن يضع شيئاً من ماله في مساهمة ، لعلها تُوَفِّي بعض نفقاته ، ولكن لهيبته لم أجرؤ على ذلك؛ لما أعلمه عنه من البعد عن الدنيا ، وزينتها ، وزخارفها.