بيان بشأن التفجيرات الإرهابية
2 صفر 1439 هجري - الأحد 22 أكتوبر 2017 ميلادي

• مادة منتقاة تجمع المسائل التي تكثر الحاجة إليها في أبواب العقيدة والفقه والمعاملات من فتاوى الشيخ عبدالعزيز ابن باز، جمع وترتيب القسم العلمي بمؤسسة ابن باز الخيرية.

الشيخ والفتوى

إن الفتوى في حقيقة أمرها هي التبليغ عن الله سبحانه وعن رسوله أحكام الشريعة وإيضاحها وإبرازها للأمة، ولذا فإن الفتوى منصب جليل القدر، عظيم المكانة، كبير الأهمية، فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه ولا يكون في صدره - حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه، وكيف لا وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب فقال تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ وكفى بما تولاه الله بنفسه. شرقا وجلالة، إذ يقول سبحانه في كتابه:{ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ } وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسئول غدا وموقوف بين يدي الله.
وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبد الله ورسوله فكانت فتاويه جوامع الأحكام ومشتملة على فصل الخطاب، وهي في وجوب اتباعها وتحكيمها والتحاكم إليها ثانية الكتاب، وليس لأحد من المسلمين العدول عنها ما وجد إليها سبيلا، وقد أمر الله عباده بالرد إليها حيث يقول: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا }
ثم قام بالفتوى من بعده برك الإسلام، وعسكر القرآن، وجند الرحمن، ألين الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأحسنها هديا، وأقلها تكلفا، وأوضحها بيانا، وأصدقها إيمانا، وأعمها نصيحة، وأقربها إلى الله وسيلة وكانوا بين مكثر فيها ومقل ومتوسط ؛ ثم صارت الفتوى من بعدهم في - التابعين وتابعي التابعين إلى يومنا هذا.
وممن - قام بهذا المنصب الكبير، والعمل الشريف " الإفتاء " في عصرنا الحاضر، وزماننا الزاهر كوكبة نيرة من الأئمة الأعلام، الذين حفظوا للأمة معاقد الدين ومعاقله، وحموا من التغيير والتكدير موارده ومناهله، ومن هؤلاء الحملة العدول والعلماء الفحول - بل أبرزهم ورأسهم - الذين عنوا بضبط قواعد الحلال والحرام، وخصوا باستنباط الأحكام، فضيلة الشيخ الإمام عبد العزيز بن باز - حفظه الله - فقد كتب كما هائلا من الفتاوى العلمية، بل إن الفتاوى التي قرئت عليه وشارك في صياغتها مع إخوانه أعضاء اللجنة الدائمة لعلها تبلغها أكثر من عشرين ألف فتوى.
والشيخ - رعاه الله - مثال يحتذى، وإمام به يتأسى، في الفتوى وغيرها من أمور الدين، فتجده في فتاويه معتمدا على الأدلة من الكتاب والسنة، وأقوال الأئمة من السلف الصالحين - رحمهم الله - جاعلا نصب عينيه قول الإمام أحمد - رحمه الله -: " إياك أن تتكلم في مسألة إلا ولك فيها إمام ".
ولهذا من تأمل فتاوى الشيخ - رعاه الله - يجد أنها فتاوى واضحة الدلالة، بينة المقصود ليس فيها شذوذ، أو خروج عن سبيل المؤمنين، وترى فيها دقة النقل، والإيجاز في الألفاظ، والوضوح في العبارة، والقوة في الأسلوب - إذ أسلوبه في الإملاء ينحصر على السهل الممتنع - وهو من أبلغ أساليب الكتابة جمالا ووضوحا.
والشيخ - رعاه الله - يكره التسرع في الفتيا، كما هو دأب السلف وديدنهم كما قال ابن أبي ليلى - رحمه الله - أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله أراه قال في المسجد، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا.
والشيخ - رعاه الله - لا يتورع عن قول لا أدري، والله أعلم، بل هي سلاحه في كثير من الأحايين وهذا نهج علمي دقيق سار عليه سماحته، بل عددت له في مجلس أكثر من عشر مرات وهو يقول الله أعلم.
" ومن قال لا أدري فقد أفتى، ولا أدري نصف العلم، أوكلنا العلم إلى عالمه، الله أعلم " هذه جمل مترابطة يذكر الشيخ - رعاه الله - إخوانه وتلامذته ومحبيه،. ويوصيهم بالتريث والتثبت وعدم الاستعجال وهو الآن - ولله الفضل والمنة - من كبار المفتين في العالم الإسلامي، لأنه يفتي بالدليل قال الله قال رسوله وقد ذكر عنه أن يرى الأخذ بأصول مذهب الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - ولكنه دائما ما يخرج عن المذهب الحنبلي، إذا خالف الدليل، فهو ينشد الأثر ويتمسك به كتابا وسنة وإجماعا، ومن لاحظ الشيخ - رعاه الله - في فتاويه رأى ذلك جليا واضحا، ومما يميز الشيخ في فتاويه أنه غير متكلف في كلامه وحديثه وفتاويه، فهو يكره التنطع والتعمق، وهذا هو المنهج الذي سار عليه العلماء السابقون من سلف هذه الأمة وأئمتها، فهم لا يتنطعون ولا يتكلفون، وإنما يرسلون الكلام إرسالا على سجيته، وهكذا سماحته - حفظه الله - فلذلك جعل الله له ولكلامه ولفتاويه قبولا في قلوب الناس لصدقه وطيب نيته وجميل خلقه غفر الله له ورفع درجته.
هذه أبرز الملامح العامة لمنهج سماحته - عفا الله عنه - في الفتاوى وهي أمور مهمة، ولو أفردت في مصنف مستقل من قبل بعض طلبة العلم، لكان ذلك حسنا والله المعين.