بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد: فهذا القبر المسؤول عنه لا نعرف له أصلاً، ثم لو عُرف فإن البناء على القبور وتخصيص يوم معين لزيارتها واتخاذها أعياداً أمر منكر، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((لا تتخذوا قبري عبداً ولا بيوتكم قبوراً))[1].

فلا يجوز أن تعظم القبور بالبناء عليها واتخاذها مساجد ولا باتخاذها أعياداً يجتمع إليها في السنة مرة، أو مرتين، كل هذا مما أحدثه الناس، وإنما المشروع أن تزار فيما يسّر الله من الأيام من غير تحديد يوم معين، ثم يُدعى للميت ويترحم عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة))[2]، وفي لفظ: ((تذكر الموت))[3]، فيزورها المؤمن الرجل.

أما النساء فمنهيات عن زيارة القبور، لكن يزورها الرجل ويسلّم على المقبور ويدعو لهم بالمغفرة والرحمة، هذا هو المشروع من دون شد رحل، أما شد الرحال فلا يجوز شد الرحال إلى القبور، وإنما تشد الرحال إلى المساجد الثلاثة فقط: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى، هكذا بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى))[4].

أما شد الرحال لقبر معين أو لقبور معينة، هذا منكر وخلاف السنة، ثم قصد القبور للدعاء عندها أو الصلاة عندها أو القراءة عندها، هذا منكر ومن وسائل الشرك، فلا تتخذ محلاً للدعاء والصلاة والقراءة، بل هذا من نوع اتخاذها مساجد فلا يجوز، ولا يجوز البناء عليها لا بقبة ولا بسقف، لا يتخذ القبر مصلى ولا يبنى عليه قبة ولا يفرش ولا يطيب؛ لأن هذا من وسائل الشرك ومن وسائل الغلو فيه، فلا يجوز هذا العمل الذي ذكره السائل من قصد قبر وتغسيله وتعظيمه والاجتماع عنده والتبرك به، كله من المنكرات التي حرمها الله عزَّ وجلَّ.

والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))[5]. وقال: ((ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإن أنهاكم عن ذلك))[6].

فلا يجوز أن تتخذ مساجد ولا يبنى عليها ولا يصلى عندها، وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً، فإن الشيطان يفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة))[7]، فدلّ على أن القبور ليست محل مساجد ولا محل قراءة.

وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام فيما رواه جابر: (أنه نهى عن تجصيص القبور وعن القعود عليها وعن البناء عليها)، رواه مسلم في الصحيح.

فالقبور لا يبنى عليها لا قبة ولا غيرها، ولا يبنى عليها مسجد ولا تتخذ محلاً للدعاء والصلاة والقراءة، ولكن تزار من أهل البلد من دون شد رحل، أو يزورها المار عليها فيسلم عليهم ويدعو لهم ويستغفر لهم، وفيها عبرة وذكرى؛ بالزيارة يذكر الموت ويذكر الآخرة ويذكر ما صار إليه هؤلاء الأموات فيستعد للقاء الله عزَّ وجلَّ، هذا هو المشروع.

فينبغي الحذر مما أحدثه الجهال ومما يفعله الجهال من الغلو في القبور ودعاء أهلها والاستغاثة بهم والنذر لهم وطلب المدد، فإن هذا من الشرك الأكبر.

يقول: يا سيدي فلان. المدد المدد، الغوث الغوث، اشف مريضي، وانصرنا على أعدائنا، هذا الكفر والشرك الأكبر، إنما المدد من الله، هو الذي يمدُّ العباد، وهو الذي ينصرهم، وهو الذي يشفي المرضى سبحانه وتعالى، أما الميت فليس عنده قدرة، لا يشفي نفسه ولا يشفي غيره، فدعاؤه والاستغاثة به والنذر له والذبح له وطلب المدد، كل هذا من عمل الجاهلية ومن الشرك الأكبر، فيجب الحذر من ذلك، والله المستعان.