لا شكَّ أن هوداً عليه الصلاة والسلام كان في الأحقاف، وكانت منازلهم هناك حيث بعثه الله إلى قومه، ولكن لا يُعلم قبره ولا يُدرى عنه، وليس هناك ما يدل على وجوده هناك، فالذين يقصدون قبراً هناك ليس معهم حجة أن هذا قبر هود، ولا يحفظ قبر معلوم للأنبياء سوى قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهو المحفوظ في المدينة، وهكذا قبر إبراهيم في المغارة في الشام في المحل المعروف هناك في الخليل.

وأما بقية الأنبياء فلا تُعلم قبورهم لا هود ولا صالح ولا نوح ولا غيرهم، كلهم لا تعلم قبورهم، فمن زعم أن قبر هود في بقعة معينة هناك وأشار إليه إلى محل معين فليس معه حجة، وليس معه دليل، فقبور الأنبياء لا تعرف ما عدا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم وقبر إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

ثم لو فرضنا أنه صحيح وأنه قبر هود فإنه لا يجوز شدُّ الرحال إليه للسلام عليه أو الصلاة عنده أو غير ذلك، لكن لو مر إنسان به وهو يعلم أنه قبره وسلم عليه فلا بأس كما لو سلم على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى))[1]، فلا يشد الرحل لقبر أحد لا هود ولا لغيره.

 ثم لو فرض أنه مر عليه وزاره فليس له أن يصلي عند القبر، فالرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن الصلاة عند القبر، قال: ((ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك))[2].

فالصلاة عند القبر اتخاذ له مسجداً، فلا يجوز الصلاة عند القبور ولا اتخاذها مساجد، لو فرضنا أنه عُلم أنه قبر هود أو غيره فلا يجوز للمسلمين أن يشدوا الرحال من أجل زيارة القبور، لا قبر هود ولا غيره.

وليس للمسلمين أيضاً أن يصلوا عند القبور، ولا أن يتخذوا علها مساجد؛ لأن الرسول زجر عن ذلك فقال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))[3]. قالت عائشة رضي الله عنها: (يحذر ما صنعوا). وقال أيضاًَ عليه الصلاة والسلام: ((ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك))[4].

فصرح صلى الله عليه وسلم أنه ينهى عن اتخاذ القبور مساجد، والصلاة عندها اتخاذها مساجد، فلا يجوز لأي مسلم أن يفعل ذلك فلا يشد الرحل إلى أي قبر كان ولا يصلي عنده.

أما إذا مر عليه أو صار في البلد وزاره للسلام على القبور فهذا سنة، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة))[5].

لكن من دون أن يُشد رحلٌ من دون أن تتخذ مساجد أو يصلى عندها أو تتخذ محلاً للقراءة والدعاء، بل يزورها ويسلم على المقبورين ويدعو لهم وينصرف.

كان النبي صلى الله عليه وسلم: يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية))، وفي وقت: ((يرحم الله المستقدمين والمستأخرين))[6].

فهذه السنة أن تزار القبور بدون شد رحل، ويسلم عليهم ويدعى لهم بالرحمة والمغفرة ولك معهم، وفي زيارة القبور ذكرى وعبرة فإن الزائر يتذكر الموت، وما بعد الموت ويعتبر ويدعو، فهذا أدعى إلى إعداد العدة والتأهب إلى الآخرة أما اتخاذها مساجد أو اتخاذها محلاً للدعاء والقراءة فهذا لا يجوز وليست محلاً للدعاء ولا للقراءة ولا للصلاة، ولكن يسلم عليهم ويدعو لهم بعد السلام، ويكفي ذلك كما علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم وبين لنا وحذرنا من خلاف ذلك.

فشد الرحال للقبور منكر ولا يجوز، وهكذا الصلاة عندها واتخاذها مساجد والبناء عليها واتخاذ القباب عليها كل هذا منكر، ولا ينبغي لك أيها السائل ولا لغيرك أن يغتر بالناس، فإن أكثر الناس اليوم ليس عندهم بصيرة وإنما تحكمهم العادات وما ورثوه عن الآباء والأجداد، فاتخاذ المساجد على القبور اليوم في بعض الدول الإسلامية واتخاذ القباب عليها كله منكر وكله من وسائل الشرك، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا، قال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))[7]. يحذرنا من أعمالهم، وكذلك نهى عن تجصيص القبور والقعود عليها والبناء عليها، فلا يجوز أن تجصص ولا يبنى عليها قبة ولا غيرها ولا يتخذ عليها مسجداًَ؛ لأن هذا كله مصادم لما جاء له عليه الصلاة والسلام، ولأنه أيضاً وسيلة من وسائل الشرك والغلو في القبور.

فالواجب على رؤساء الدول الإسلامية أن يزيلوا ما على القبور من أبنية ومن قباب ومساجد، وأن تكون القبور بارزة ليس عليها قبة وليس عليها مسجد، هذا هو الواجب في جميع الدول الإسلامية، الواجب عليهم جميعاً أن يبرزوا القبور وأن يزيلوا ما عليها من مساجد وقباب وأبنية، طاعة للرسول صلى الله عليه وسلم وامتثالاً لأمره وعملاً بشرعه عليه الصلاة والسلام.

وأيضاًَ في ذلك سد لذرائع الشرك وحسم لموادها؛ لأن الناس إذا رأوا قبراً مشيداً معظماً بالقباب والبناء والفرش غالت فيه العامة وظنت أنه ينفع ويضر، وأنه يستجيب للداعي وأنه يشفي المريض، وأنه يتوسط بينه وبين الله فيقع الشرك بالله والعياذ بالله، كما قد وقع لعباد القبور في الزمن الأول؛ فإنهم عظموا القبور وزعموا أنها لنا شفعة عند الله، ودعوهم واستغاثوا بهم وهذا هو الشرك الأكبر، نسأل الله العافية.

وهذا وقع اليوم في كثير من البلاد الإسلامية، واقع فيها هذا الغلو في القبور، كما يقع في مصر عند قبر البدوي والحسين وغيرهما، وكما يقع في الشام عند قبر ابن عربي وغيره، وكما يقع في العراق عند قبر موسى الكاظم وأبي حنيفة وغيرهما، وكما يقع لبعض الجهال عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة عليه الصلاة والسلام، بعض الجهال من الحجاج والزوار قد يقع منه الشرك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: يا رسول الله اشف مريضي، انصرني، المدد المدد، اشفع لي. وهذا لا يجوز لا مع النبي عليه الصلاة والسلام ولا مع غيره من الأموات.

وإنما هذا في حياته، ففي حياته يُقال له: اشفع لنا يا رسول الله. يعني ادع لنا، وهكذا يوم القيامة إذا قام الناس من قبورهم يأتيه المؤمنون ويسألونه أن يشفع لهم إلى الله حتى يحكم بينهم وحتى يدخلوا الجنة.

أما بعد الموت وقبل البعث في حال البرزخ فلا تطلب منه الشفاعة ولا يطلب منه المدد ولا الغوث ولا النصر على الأعداء؛ لأن هذا بيد الله سبحانه وتعالى ليس بيد الأنبياء ولا غيرهم، بل النصر والشفاء للمرضى والغوث والمدد كله بيد الله سبحانه وتعالى.

وهكذا قد يقع من بعض الجهلة عند قبر خديجة في المعلا في مكة المكرمة إلا إذا لوحظوا ووجهوا وبين لهم ما يجب عليهم.

فأنت أيها السائل يجب عليك أن تحذر هذه المسائل وأن تكون على بينة، وأن تعلم أن القبور -لا قبر هود ولا غيره- لا يجوز أن تتخذ معايد ومصلى ومساجد، ولا تدعى مع الله ولا يستغاث بأهلها ولا يطاف بقبورهم، ولا يبنى عليها قبة، ولا أن تفرش ولا أن تطيب، كل هذا لا يجوز لأنه من وسائل الشرك، ودعاء الميت وطلب الغوث منه والمدد وشفاء المريض هذا كله شرك بالله عزَّ وجلَّ.