الشرك على اسمه هو تشريك غير الله مع الله في العبادة، كأن يدعو الأصنام، ويستغيث بهم، وينذر لهم، ويصلي لهم، ويصوم لهم، ويذبح لهم، يذبح للبدوي، يذبح للعيدروسي، يذبح لفلان، يصلي لفلان، يطلب المدد من الشيخ عبد القادر، من الرسول صلى الله عليه وسلم من العيدروسي في اليمن أو أشباههم من سائر المعبودين من دون الله، فهذا يُقال له الشرك، وهكذا إذا دعا الكواكب أو الجن أو استغاث بهم، أو طلب منهم المدد أو ما أشبه ذلك، فإذا فعل شيئاً من هذه العبادات مع المخلوقين أو مع الأموات صار مشركاً بالله عزَّ وجلَّ.

قال الله جل وعلا: ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ[2]، وقال سبحانه: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ[3].

ومن الشرك أيضاً: أن يعبد غير الله عبادة كاملة، فإنه يسمى شركاً ويسمى كفراً، فمن أعرض عن الله بالكلية، وجعل عبادته لغير الله، للأشجار أو الأحجار، أو الأصنام، أو الجن، أو بعض الأموات ممن يسمونهم بالأولياء؛ يعبدهم، يصلي لهم، يصوم لهم، وينسى الله بالكلية، هذا أعظم كفراً وأشد كفراً، وأشد شركاً. نسأل الله العافية.

وهكذا من ينكر وجود الله ويقول: إنه ليس هناك إله والحياة مادة، كالشيوعيين والملاحدة المنكرين لوجود الله، فهؤلاء أكفر الناس وأضلهم، وأعظمهم شركاً وضلالاً. نسأل الله العافية.

فالمقصود أن هذه الاعتقادات وأشباهها كلها تسمى شركاً وتسمى كفراً بالله عزَّ وجلَّ، وقد يغلط بعض الناس لجهله فيسمي دعوة الأموات والاستغاثة بهم وسيلة وهذا غلط، هذه وسيلة للكفر ليست وسيلة مباحة، فالله جل وعلا يقول: اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ[4]، الوسيلة: التقرب إليه بطاعته، هذه هي الوسيلة عند أهل العلم جميعاً.

الصلاة قربة إلى الله فهي وسيلة، الذبح لله وسيلة كالضحايا والهدايا والصوم، والصدقات وسيلة، ذكر الله وقراءة القرآن وسيلة، هذا معنى قوله جل وعلا: اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ أي: ابتغوا إليه القربى بطاعته، هكذا قال ابن جرير وابن كثير والبغوي وغيرهم من أئمة التفسير، والمعنى: التمسوا إليه القربى بطاعته وابتغوها واطلبوها أينما كنتم فيما شرع الله لكم، من صلاة وصوم وصدقات وغير ذلك.

وهكذا قوله في الآية الأخرى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ[5]، يبتغون إلى ربهم القربى بطاعته، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ[6]، هكذا الرسل وأتباعهم. فالتقرب إلى الله يكون بالوسائل التي شرعها، من جهاد، ومن صوم، ومن صلاة، ومن ذكر، ومن قراءة قرآن إلى غير هذا من وجوه الوسيلة.

أما ظن بعض الناس أن الوسيلة هي التعلق بالأموات، والاستغاثة بالأولياء، والنذر لهم، فهذا خطأ وظن باطل، وهذا اعتقاد المشركين، وهم الذين قال الله سبحانه فيهم: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ[7].

هذا عمل المشركين، يدعون الأموات، ويستغيثون الجن، ويستغيثون بالملائكة، ويجعلونهم وسائلهم إلى الله، وقال تعالى في كتابه الكريم: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى[8]، قال الله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ[9]، فسماهم كذبة، كفرة،كذبة في قولهم: تقربنا إلى الله. وكذبة في قولهم: إن الله أمرهم بهذا. وهو لم يأمرهم بذلك سبحانه وتعالى.

فهم كذبة في قولهم كفرة في فعلهم، ولهذا قال جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ.

فهي لا تقربهم ولا تدنيهم إلى الله بل تبعدهم من الله سبحانه وتعالى، فهم كذبة في هذا القول كفرة في هذا الفعل الذي نسبوه إلى الله وجعلوه ديناً له سبحانه وتعالى، والله يقول: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ[10]، ويقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[11]، ويقول: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ[12]، وقال سبحانه: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء[13]، وقال سبحانه: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ[14].