أهل الكتاب بيّنهم الله في كتابه وهم اليهود والنصارى، سموا أهل الكتاب؛ لأن الله أنزل عليهم كتابين على بني إسرائيل؛ الأول على موسى وهو التوراة، والثاني على عيسى وهو الإنجيل، فلهذا يقال لهم: أهل الكتاب، ويقال لهم: أهل الكتابين، ولهم أحكام تخصهم غير أحكام بقية المشركين، وهم يجتمعون مع غيرهم من الكفار في اسم الكفر والشرك، فهم كفار ومشركون، كعباد الأوثان، وعباد النجوم، وعباد الكواكب، وسائر الكفرة الملحدين، ولكنهم لهم خصائص بأسباب أنهم تلقوا هذين الكتابين عن أنبيائهم الماضين، عن موسى وهارون وعن عيسى عليهم الصلاة والسلام.

فجعل الله لهم أحكاماً خاصة، منها حل ذبائحهم التي لم تذبح لغير الله ولهم يهدوها لغير الله، ولم يذكروا عليها غير اسم الله، ولم يوجد فيها ما يحرمها، فهذه حل لنا كما قال الله سبحانه: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ[1].

وكذلك نساؤهم حلُّ لنا، المحصنات العفيفات الحرائر، كما في قوله سبحانه وتعالى: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[2].

هذان الشيئان يخصَّان أهل الكتاب؛ حلُّ النساء المحصنات منهم، وحلّ ذبائحهم التي لم يهلّوها لغير الله ولم يذبحوها على غير شرع الله، أما بقية المشركين فلا تحل ذبائحهم ولا نساؤهم.

وهناك أمر ثالث وهو أخذ الجزية، تؤخذ منهم الجزية أيضاً، وهي مال يضرب عليهم كل عام على رجالهم الذي يستطيعون ذلك، ويشاركهم في هذا الحكم المجوس عباد النار؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أخذها منهم كما أخذها من أهل الكتاب، فهذه الأحكام الثلاثة تخصُّ أهل الكتاب، والحكم الأخير وهو الثالث وهو أخذ الجزية فيشترك معهم فيه المجوس.

وذهب بعض أهل العلم إلى أخذ الجزية أيضاًَ من غير هؤلاء على خلاف معروف بين أهل العلم في أخذها من عباد الأوثان ومن عباد الكواكب ومن غيرهم من المشركين، ولكن المشهور عند جمهور أهل العلم أن الجزية لا تؤخذ إلا من أهل الكتابين ومن المجوس.