الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن ليُعمل به وليتدبر وليتعقل كما قال عزَّ وجلَّ: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ[1]، ولم ينزله سبحانه وتعالى للأكل به، فيقرأ ليعطى أو يسأل به الناس، إنما أنزل للعمل به وتعليمه الناس والأخذ بما فيه من الأوامر وترك ما فيه من النواهي.

ولهذا قال سبحانه: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[2]، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ[3]، فهو أنزل ليعمل به، وليتعقل ويتدبر، ولم يُنزل ليؤكل به وتطلب به الدنيا.

لكن تعليم الناس القرآن يحتاج إلى فراغ وإلى تعب وإلى صبر، فجاز على الصحيح أن يعطى المعلم ما يعنيه على ذلك، وليس هذا من التأكل بالقرآن، ولكن هذا من الإعانة على تعليم القرآن.

فإذا وجد من يُعلم القرآن ويحتاج إلى مساعدة فلا بأس أن يعطى من بيت المال، أو من أهل المحلة، أو من أهل القرية، ما يعينه على ذلك حتى يتفرغ، وحتى يبذل وسعه في تعليم أبناء البلد أو أبناء القرية كتاب ربهم عزَّ وجلَّ، وهذا ليس من باب التأكل ولكن من باب الإعانة على هذا الخير العظيم؛ حتى يتفرغ للتعليم،وحتى يكفى المؤونة حتى لا يحتاج إلى ضياع بعض الأوقات في طلب الرزق وطلب حاجة بيته وأهله، هذا كله من باب التعاون على البر والتقوى.

وكذلك إذا قرأ على المريض ورقاه فلا بأس أن يعطى أيضاً لحديث: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله))[4]، ولقصة اللديغ الذي قرأ عليه بعض الصحابة واشترطوا جُعلاَ فأمضاه النبي عليه الصلاة والسلام .

فالحاصل أن إعطاء الطبيب الذي يقرأ على الناس ويعالج بالقراءة؛ إعطاءه الشيء على هذا الأمر لا بأس به كما يعطى المعلم، وهذا كله من باب التعاون على ما ينفع الناس.

فالمعلم ينفع الناس بتعليمهم وإرشادهم وتوجيههم، والذي يقرأ على المريض كذلك يحتاج إلى مساعدة حتى يتفرغ لهذا الأمر، ويقرأ على هذا وهذا، وقد جعل الله في كتابه شفاءً لمرض القلوب ومرض الأبدان، وإن كان أنزل في الأصل والأساس لإنقاذ القلوب وتطهيرها من الشرك والمعاصي وتوجيهها للخير.

لكن الله جعل فيه سبحانه وتعالى أيضاً شفاءً لأمراض الأبدان، فجعل كتابه العظيم شفاءً للقلوب وشفاءً لكثير من أمراض الأبدان إذا استعمله المؤمن مخلصاً لله عزَّ وجلَّ، عالماً أنه سبحانه هو الذي يشفي، وأن بيده كل شيء سبحانه وتعالى، فإذا أعطي المعلم ما يعينه وأعطي الراقي الذي يعالج الناس بالرقية ما يعينه فلا بأس بذلك.