نعم، هذا الحديث صحيح، رواه البخاري رحمه الله في الصحيح وغيره عن عائشة رضي الله عنها، وفي الباب أحاديث أخرى، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم))، وكان سبب ذلك أنه صلى الله عليه وسلم قدم من سفر فرأى على بيت عائشة ستراً فيه تصاوير، فغضب وهتك الستر، وقال: ((إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم))، وقال عليه الصلاة والسلام: ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون))، وقال عليه الصلاة والسلام: ((كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في نار جهنم)).

وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: ((من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ))، فهذا كله يدل على تحريم تصوير ذوات الأرواح من الدواب والطيور وبني الإنسان، وكل ذلك ممنوع؛ لعموم هذه الأحاديث إلا للضرورة، فقد قال عز وجل: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ[1].

فإذا كان للضرورة التي لا بد منها فلا حرج في ذلك، مثل تصوير من يعطى حفيظة نفوس حتى يتميز هل هو من هذه الدولة أو من هذه الدولة، وحتى لا يشتبه بغيره، وحتى لا يستعمل الرعوية لمن ليس من أهلها، فإذا وجدت الصورة لم يستطع غير صاحبها أن ينسبها إلى نفسه، وهكذا عند الضرورات الأخرى، مثل أصحاب الجرائم المعروفين إذا صورهم ولاة الأمور، ونشروا صورهم بين الحراس في أطراف البلاد حتى يعرفوهم ويمسكوهم، أو ما أشبه ذلك مما تدعو إليه الضرورة، فلا حرج في ذلك.

وما سوى ذلك فالواجب عدم التصوير وطمس الصور، وقد ثبت في الصحيح عن علي رضي الله عنه أمير المؤمنين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((لا تدع صورة إلا طمستها))، هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: ((لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته)) خرجه مسلم في الصحيح، وذلك يوجب عليك أيها المسلم إذا رأيت في بيتك صورة تزيلها، سواء في جدار أو صوراً محفوظة عند أهلك، يجب أن تتلفها أو تطمسها.

وهكذا القبور المشرفة تهدم، فلا يبنى على قبر مسجد ولا قبة ولا غير ذلك؛ ولهذا ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، قالت عائشة رضي الله عنها: يحذر ما صنعوا، وقال عليه الصلاة والسلام: ((ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك)) خرجه مسلم في الصحيح عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.

وثبت في الصحيح عن جابر رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبور والقعود عليها والبناء عليها)، فلا يبنى على القبر قبة ولا مسجد ولا حجرة، وليكن القبر بارزاً أمام السماء، مثل قبور الصحابة في البقيع، وقبر المسلمين في البلاد السليمة من هذا البلاء، فتكون بارزة مكشوفة، ويرفع القبر عن الأرض مقدار شبر، ولا يبنى عليه شيء، بل يكون مكشوفاً ليس عليه سقف ولا بناء، وهكذا قبور المسلمين ترفع عن الأرض مقدار شبر بالتراب الذي خرج من اللحد، يكون فوق القبر حتى يعرف أنه قبر، حتى لا يوطأ ولا يمتهن، ولا يبنى عليه قبة ولا مسجد ولا حجرة ولا غير ذلك.

هكذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا حذرنا من التشبه بغيرنا، وأما الصور التي في الفراش الذي يوطأ فلا حرج فيها، إذا كانت في الفراش الذي يطؤه الناس فلا حرج في ذلك؛ لأنه ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى عند عائشة قراماً فيه تصاوير فهتكه. قالت عائشة رضي الله عنها: (فجعلته وسادتين يرتفق بهما النبي صلى الله عليه وسلم).

فهذا يدل على أن الصور التي تمتهن في الفراش أو الوسادة لا تمنع من دخول الملائكة، لكن لا يجوز تصويرها فيه، فليس لأحد أن يصورها في الفراش ولا في الوسادة ولا في الخرق.

لكن لو وجدت في بيتك خرقة مصورة أو بساط مصور، فلا بأس أن تجعله وسادة، ولا بأس أن تجعل فراشاً في بيتك تطؤه، ولا حرج في ذلك، والله المستعان.