الزيارة تختص بالرجال، والرسول صلى الله عليه وسلم نهى النساء عن زيارة القبور، وعن اتباعهن الجنائز، وقد صح عنه عليه السلام أنه (لعن زائرات القبور)، فليس للمرأة أن تزور القبور، ولا أن تتبع الجنائز إلى المقبرة. نعم تصلي على الميت مع الناس في المسجد أو في المصلى، أو في البيت، ولا بأس بذلك، أما الزيارة للمقابر أو الذهاب مع الناس للمقابر فلا يجوز لها ذلك، هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم.

وأما قوله سبحانه وتعالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ[2]، فهذا المراد به الموت، يعني حتى نقلتم إلى المقابر ميتين، وليس المراد الزيارة المعروفة، والمقصود تحذير الناس من أن يشتغلوا بالتكاثر حتى يموتوا، وسماها زيارة؛ لأن الإنسان لا يقيم في القبر دائماً، فهي زيارة ثم يخرج يوم القيامة إلى الجنة أو إلى النار.

فالمقابر ليست هي المحل الأخير، بل المحل الأخير الجنة أو النار، فالموتى زاروا القبور وبقوا في القبور حتى البعث والنشور، فإذا كان يوم القيامة أخرجوا من قبورهم وحاسبهم الله وجازاهم على أعمالهم، فالمتقون إلى الجنة والكرامة، والكافرون للنار، والعصاة على خطر; قد يعفى عنهم فيدخلون الجنة، وقد يعاقبون على قدر معاصيهم ثم بعد المعاقبة وبعد التعذيب الذي يستحقونه يخرجهم الله من النار إلى الجنة، عند أهل السنة والجماعة.

فالحاصل أن قوله تعالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ[3]، ليس المقصود به الزيارة المعروفة، بل المراد به هنا الموت، يعني ألهاكم التكاثر في الدنيا وحرصتم عليها حتى متم ونقلتم إلى القبور، لكن الله سماها؛ زيارة لأنهم لا يبقون في القبور أبداً، بل هم زائرون سوف يخرجون من القبور يوم القيامة إلى الجنة أو النار، كما دلت عليه الآيات الكريمات، والأحاديث الصحيحة وأجمع عليه المسلمون، كما قال جل وعلا في كتابه العظيم: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ[4]، فالله يجمع الناس يوم القيامة ويبعثهم من قبورهم ثم يجازيهم بأعمالهم، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

فالواجب على كل مسلم وكل مسلمة الاستعداد لهذا اليوم، والحرص على الأعمال الصالحات حتى يسعد ويفوز بالنجاة يوم القيامة، وهذا واجب على كل مكلف من أهل الأرض من الجن والإنس، فيجب على جميع المكلفين من العرب والعجم والإنس والجن والكفار والمسلمين يجب عليهم أن يستعدوا لهذا اليوم، وأن يدخل الكفار في الإسلام، وأن يستقيموا عليه حتى يفوزوا بالنجاة يوم القيامة، والله المستعان.