هذا فيه التفصيل؛ فأولياء الله لهم منزلة عند الله، ولهم فضل، ولهم مقام عظيم، قال تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ[1]، هؤلاء هم أولياء الله، وهم أهل الإيمان والتقوى، الذين عبدوا الله واستقاموا على دينه، وعظموا أمره ونهيه، وانقادوا لشريعته، وهم الرسل وأتباعهم فهؤلاء لهم مقام عند الله عظيم.

أما سؤالهم، والاستغاثة بهم، والنذر لهم؛ فهو منكر، ومن الشرك الأكبر، ولا يجوز دعاؤهم، ولا سؤالهم، ولا التقرب إليهم بالنذور، ولا بالذبائح، بل هذا حق الله، وهذه عبادة الله، قال سبحانه: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ[2]، وقال عز وجل: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[3]، وقال سبحانه: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ[4]، وقال: فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا[5].

فالواجب إخلاص العبادة لله وحده، فلا ينذر إلا له ولا يستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يتقرب بالنذور والذبائح إلا له سبحانه وتعالى، لا للأموات من الرسل ولا من المؤمنين ولا من غيرهم، ولا للأصنام، ولا للأشجار، ولا للأحجار ولا للجن فالعبادة حق الله وحده.

أما كونكِ دعوت أحد الأولياء، أو طلبتِ منه بعض الحاجة، أو توسلتِ إلى الله ببعضهم، فقضيت حاجتكِ، فقد يكون هذا من باب الابتلاء والامتحان صادف القدر بذلك، وهذا امتحان لكِ وابتلاء، فقد تنتبهين للأمر وقد لا تنتبهين. ولا يدل على أن ما فعلت مع بعض الأولياء ليس بشرك؛ لأن عباد القبور وعباد الأصنام قد تقضى حاجتهم ابتلاءً وامتحاناً؛ لأن القدر قد سبق بذلك، وقد تقضى الحاجة بواسطة الشياطين المعينين على الشرك فلا يدل ذلك على جواز عبادة غير الله، ولا على جواز طلب الحاجات من الأموات والغائبين والجن وغيرهم.

وأما التوسل بهم، أي بجاههم، وبمحبتهم فهذا فيه تفصيل؛ أما الجاه فلا يجوز التوسل به، فلا يقال: أسألك يا الله بجاه فلان أو بحق فلان، هذا غير مشروع بل بدعة.

أما التوسل بحبهم، أي بحب أهل الإيمان، فهذا طاعة لله، فحبهم حق، فإذا قال المؤمن أو المؤمنة: اللهم إني أسألك بحبي لأوليائك ولرسلك وإيماني بهم، فهذا لا بأس به.

وأما دعاؤهم فلا يجوز، فلو قال: يا سيدي يا رسول الله أغثني، أو يا أبا بكر أغثني، أو يا عمر أغثني، أو اشفني، فصادف أنه شفي من مرضه، فليس هذا من أجل هذا الدعاء، بل هذا وافق القدر الذي قدره الله أن يشفى، فقد يظن هذا المريض - أو هذه المريضة - أنه بأسباب دعائه، وهذا ليس بسبب ذلك، لكن صادف القدر وكان ابتلاء وامتحاناً.

فالواجب الانتباه، وأن ينتبه المؤمن والمسلم لهذا الأمر، ولا يظن أن الولي هو الذي شفاه، بل الله الذي يشفيه سبحانه وتعالى، كما قال عن الخليل إبراهيم: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ[6]، فهو الذي يشفي جل وعلا، وهو الذي يقضي الحاجات للعباد، بأن يكتب لهم الشفاء، ويهب لهم العلم، إلى غير ذلك.

أما المخلوق الحي الحاضر القادر إذا طلبت منه حاجة يقدر عليها فهذا لا بأس به، وليس من الشرك. كأن تقول لأخيك أو لصديقك: أعني على كذا بكذا وكذا، أو أقرضني كذا وكذا، أو ساعدني على تعمير بيتي، أو إصلاح سيارتي، فهذا لا بأس به؛ لأن الله سبحانه ذكر عن كليمه موسى عليه الصلاة والسلام في سورة القصص ما يدل على ذلك حيث قال سبحانه: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ[7]؛ لأن موسى حي حاضر يستطيع إغاثة من استغاث به في مثل هذا الأمر، ولقول الله سبحانه: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى[8]، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)) أخرجه مسلم في صحيحه، وهذا أمر مجمع عليه بين أهل العلم، وهو جواز استعانة الإنسان بغيره من الأحياء القادرين الحاضرين، أو الغائبين بالمكاتبة والمكالمة الهاتفية.

أما دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، والنذر لهم، أو للأصنام، أو للكواكب أو ما أشبه هذا، فهذا هو الشرك الأكبر، فالأولياء يحبون في الله، لكن لا يدعون مع الله. وهذا هو الواجب على أهل الإسلام، أن يحبوهم في الله، ويعرفوا لهم قدرهم، لكن لا يدعونهم مع الله، ولا يستغيثون بهم، ولا ينذرون لهم، ولا يتقربون لهم بالذبائح، فهذا هو الشرك الأكبر؛ سواء مع الأولياء من الرسل، أو من المؤمنين، أو مع غيرهم من الطواغيت؛ فلا يدعون مع الله ولا يستغاث بهم.

فالواجب التنبه لهذا الأمر، وأن تحذري هذا الشرك، وأن تعبدي الله وحده بدعائك، واستغاثتك، ونذرك، وغير هذا. والواجب أن تجعلي ذلك كله لله سبحانه وتعالى.