قد تأملت المسألة المذكورة، ورأيت صاحب الإنصاف ذكر فيها وجهين، وذكر غيره قولين في المسألة:

أحدهما: أن المالك لا يجبر على إزالتها.

والثاني: يجبر، فإن امتنع ضَمِن ما ترتب عليها من الضرر.

فاتضح لي أن القول الثاني أرجح من وجوه:

الأول: أن ذلك هو مقتضى الأدلة الشرعية، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا ضرر ولا ضرار))[2]، وما جاء في معناه.

الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره))[3]، ولاشك أن العروق والأغصان المضرة بالجار، داخلة في الأذى المنهي عنه؛ فالواجب منع الجار من ذلك.

الثالث: أن عدم الإجبار يفضي إلى استمرار النزاع والخصومة، وربما أفضى إلى ما هو أشد من ذلك من المضاربة وما هو أشد منها.

فالواجب حسم ذلك والقضاء عليه، وقد دلت الأدلة الشرعية - التي يتعذر أو يتعسر إحصاؤها - على وجوب سد الذرايع المفضية إلى الفساد والنزاع والخصومة، أو ما هو أشد من ذلك.

أما حديث صاحب النخلة، فقد خرجه أبو داود، من حديث محمد بن علي بن الحسين، عن سمرة بن جندب، وفي إسناده نظر؛ لأن محمد بن علي لا يعلم سماعه من سمرة، بل الظاهر أنه لم يسمع منه - كما نبه على ذلك الحافظ المنذري في (مختصر السنن) - لكن ذكر الحافظ ابن رجب في (شرح الأربعين) - في الكلام على الحديث الثاني والثلاثين - شواهد لهذا الحديث.

وهي كلها مع الحديث الذي ذكرنا في الوجه الأول؛ تدل على ترجيح القول الذي ذكرنا، وهو إلزام المالك بإزالة ما حصل به الضرر من عروق أو أغصان، فإن لم يزل الضرر إلا بقلع الشجرة، قلعت جبراً عليه؛ حسماً لمادة الضرر والنزاع، ورعاية لحق الجوار.


[1]

[2]

[3]