ليس هذا من الربا؛ لأن بيع التأجيل غير بيع الحاضر، وقد أجمع العلماء - فيما نعلم - على أنه يجوز بيع السلعة إلى أجل معلوم بأكثر من ثمنها الحالي، إذا كان المشتري يشتريها لحاجته إلى ذاتها، لا ليبيعها بالنقد من بائعها عليه أو شخص آخر، وأمثلة ذلك كثيرة منها:

أن يشتري السيارة أو الدابة ليستعملها، أو الطعام ليأكله، أو الثياب ليلبسها، أو ما أشبه ذلك، ومن أدلة ذلك قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ[2]. الآية، ولم يشترط سعراً معلوماً.

ومن أدلة ذلك: بيع السلم، وقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة والناس يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال صلى الله عليه وسلم: ((من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم))[3]، ولم يقل بسعر الحاضر.

ومعلوم أن المسلم يسلم ماله أهل الحرث؛ رجاء الربح في المستقبل، فالمسلم ينتفع في المستقبل، والمسلم إليه ينتفع بالنقود في الحال، ولو اشترط في السلم أن يكون ذلك بالسعر الحالي، لم يقدم أحد إلى ذلك غالباً، فتتعطل مصلحة الجميع.

ومن ذلك حديث عبد الله بن عمر: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشاً فنفدت الإبل، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يشتري البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة))[4].

ولأن الربا إنما جاءت به الشريعة في أحوال مخصوصة ومعاملات مخصوصة، فلا يجوز أن يلحق بها غيرها إلا بنص خاص، وليس من معاملة الربا ولا من أحوال الربا أن نبيع السلعة من السيارات والدواب أو الملابس أو الأواني أو الطعام بنقد معلوم إلى أجل بأكثر من السعر الحالي، فيما نعلمه من الشرع المطهر، ولا فيما قرره أهل العلم.

وإنما اشتبه الأمر في هذا على بعض الناس من المتأخرين، فظن أن هذه المعاملة من ربا النسيئة، وليس الأمر كذلك، وإنما ربا النسيئة: بيع الربوي بالربوي إلى أجل، أو من غير قبض، وإن لم يكن هناك ربح، كبيع النقود بالنقود من غير قبض، وكبيع الطعام بالطعام من غير قبض، وما أشبه ذلك من أحوال الربا.

وأما بيع السلعة إلى أجل ثم شراؤها بأقل من ذلك نقداً، فهذه (مسألة العينة)، والصحيح الذي عليه الجمهور تحريمها.

وذلك مثل: أن تبيع سلعة بمائة إلى أجل معلوم، ثم تشتريها من مشتريها منك بثمانين نقداً؛ لأن هذا في الحقيقة بيع ثمانين حاضرة بمائة إلى أجل، والسلعة حيلة بينهما، وهذا عين الربا.

فأما إذا كان المشتري إنما اشترى السلعة منك ليبيعها على غيرك بالنقد لحاجته إليه، فهذه تسمى (مسألة التورق)، وقد ذهب الخليفة الراشد/ عمر بن عبد العزيز رحمه الله وجماعة إلى تحريمها، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

وذهب آخرون -وهم الأكثر فيما أعلم- إلى حلها؛ لأنها داخلة في المداينة التي أباحها الله، ولأنها ليست وسيلة إلى الربا؛ لأن المشتري لا يبيع السلعة على الذي اشتراها منه، وإنما يبيعها على غيره، وليس هناك تواطؤ بين الثلاثة على هذه المعاملة.

فأما إن كان هناك تواطؤ، فإنها تحرم كـ (مسألة العينة)؛ ولأن الفقير قد تدعوه الحاجة إلى هذه المعاملة، بل قد يضطر إليها لفقره، وعدم من يقرضه أو يتصدق عليه.

وهذا القول أرجح - إن شاء الله - عند الحاجة إليها، أما عند الاستغناء عنها، فالأولى تركها خروجاً من خلاف العلماء، واحتياطاً للدين، وابتعاداً عن إشغال الذمة بما قد يشق تخليصها منه.

وهذه مسائل مهمة أحببت بسطها لك  لمسيس الحاجة إلى ذلك، وكثرة خوض الناس فيها بعلم وبغير علم.

وأسأل الله لي ولكم ولسائر المسلمين التوفيق لما يرضيه، والفقه في دينه؛ إنه خير مسئول. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه.


[1]

[2]

[3]

[4]