يجوز عند أكثر العلماء؛ لقول الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ[2]. الآية، ولم يشترط سبحانه أن تكون المداينة بسعر الوقت الحاضر.

ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وأهلها يسلمون في الثمار السنة والسنتين: ((من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم))[3]. متفق على صحته.

ولم يشترط عليه الصلاة والسلام أن يكون ذلك بسعر الوقت الحاضر.

وخرج الحاكم والبيهقي بإسناد جيد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشاً فنفدت الإبل، فأمره أن يشتري البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة))[4]، والأدلة في هذا المعنى كثيرة.

ولأن أمر التجارة في المداينة لا يستقيم إلا على ذلك؛ لأن التاجر لا يمكنه غالباً أن يبيع السلع إلى أجل بسعر الوقت الحاضر؛ لأن ذلك يكلفه خسائر كثيرة، ولأن البائع ينتفع بالربح والمشتري ينتفع بالإمهال والتيسير؛ إذ ليس كل أحد يستطيع أن يشتري حاجته بالثمن الحال، فلو منعت الزيادة في المداينة لنتج عن ذلك ضرر المجتمع، والشريعة الكاملة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها.

ولا أعلم في هذه المسألة خلافاً يعول عليه، بل المعروف في كلام العلماء هو الجواز والإباحة، وهذا فيما إذا كان الشراء لحاجة الاستعمال والانتفاع.

أما إذا كان المشتري اشترى السلعة إلى أجل ليبيعها بنقد؛ بسبب حاجته إلى النقد في قضاء الدين، أو لتعمير مسكن أو للتزويج ونحو ذلك، فهذه المعاملة إذا كانت من المشتري بهذا القصد، ففي جوازها خلاف بين العلماء. وتسمى عند الفقهاء (مسألة التورق)، ويسميها بعض العامة (الوعدة).

والأرجح فيها الجواز، وهو الذي نفتي به؛ لعموم الأدلة السابقة، ولأن الأصل في المعاملات الجواز والإباحة، إلا ما خصه الدليل بالمنع، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك كثيراً؛ لأن المحتاج - في الغالب - لا يجد من يساعده في قضاء حاجته بالتبرع ولا بالقرض، فحينئذ تشتد حاجته إلى هذه المعاملة؛ حتى يتخلص مما قد شق عليه في قضاء دين ونحوه.

ولكن إذا أمكن المسلم الاستغناء عنها، والاقتصاد في كل ما يحتاج إليه إلى أن يأتي الله بالفرج من عنده، فهو أحسن وأحوط.

ومما ينبغي التنبيه إليه: أنه ليس للبائع أن يبيع السلع التي ليست في حوزته، بل لا تزال في حوزة التجار حتى ينقلها إلى بيته، أو إلى السوق ونحو ذلك؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كنا نشتري الطعام جزافاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فيبعث إلينا النبي صلى الله عليه وسلم من يأمرنا ألا نبيعه حتى ننقله إلى رحالنا)[5]. أخرجه البخاري.

وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم))[6]. أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه ابن حبان والحاكم.

وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: يأتيني الرجل يريد السلعة ليست عندي، أفأبيعها عليه ثم أذهب فأشتريها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((لا تبع ما ليس عندك))[7]. أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح.


[1]

[2]

[3]

[4]

[5]

[6]

[7]