هذا الذي قاله السائل ليس بصحيح، ولكن الصحيح أن العلم يقدم أهل العلم، ويرفع أهله في كل مجتمع؛ فلو ذهب إلى أمريكا أو إنجلترا أو فرنسا أو أي مكان لرفعه علمه بين الأقليات الإسلامية، وبين من يدعوهم إلى الله على بصيرة من نفس المشركين؛ لأنهم سينقادون إلى الحق إذا عرفوه بأدلته الواضحة، وبأخلاق أهله الكريمة.

فالإسلام هو دين الفطرة، وهو دين العدالة والأخلاق، ودين القوة، ودين النشاط، ودين المواساة، ودين كل فضيلة.

فطالب العلم الذي يسير على بصيرة يعرف الأدلة الشرعية، ويعرف أحكام الإسلام، ويعمل بها، مرفوع الرأس أينما كان، ومحترم أينما حل، ولاسيما بين جماعته وأهل بلده، إذا عرفوا منه العلم والنصح، والصدق وعدم العجلة التي ليس لها ما يبررها، بل يكون طبيباً حكيماً، يدعو إلى الله بالحكمة والرفق.

فهذا مرفوع الرأس، ومحترم أينما كان؛ في قرية أو قبيلة، أو غير ذلك، إذا كان متخلقاً بالعلم قولاً وعملاً، مبتعداً عن أخلاق الفساق والمجرمين.

فإن هذا وأمثاله محبوب عند الله، وعند عباده الصالحين، ما دام يعلم ويعمل، وينصح إخوانه، ويعطف عليهم، ويحرص على نفعهم بعلمه، وأخلاقه، وماله، وجاهه؛ كما فعل الأنبياء والصالحون.

والقول بأن طالب العلم لا محل له في المجتمع، ولا يلتفت إليه، قول في عمومه باطل، غير موافق للواقع كما بينّا.

فطالب العلم البصير بدينه، الناصح لله ولعباده، مرفوع الرأس، ومحترم أينما كان؛ في الطائرة وفي القطار، وفي البر والبحر، وفي أي مكان، إذا أخلص لله، وأظهر العلم والدعوة إلى الله، وأحسن إلى الناس بالرفق والكلام الطيب، فله البشرى والعاقبة الحميدة، والثناء الحسن من المجتمع، والأجر العظيم من الله عز وجل كما قال تعالى: قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ[1]، وكما قال سبحانه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ[2]، وقال جل وعلا يخاطب نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم: فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ[3]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

ثم لو قدر أن بعض الدعاة إلى الله لم يحصل مطلوبه، بل أوذي وامتحن، أليس له قدوة في الرسل الذين أوذوا وامتحنوا، وأهانهم الناس، بل قتلوا بعضهم؟ فلطالب العلم أسوة فيهم عليهم الصلاة والسلام وفي تحملهم وصبرهم.

ولو فرضنا أن طالب العلم ما وجد الاحترام بين الناس، فإن ذلك لا يضره؛ لأنه لم يطلب العلم لهذا، وإنما طلب العلم؛ لإنقاذ نفسه من الجهالة، ولإخراج الناس من الظلمات إلى النور، فإن قبلوا منه، ورفعوا مكانته؛ فالحمد لله، وإلا فهو على خير، ولو قتلوه أو أهانوه، فله أسوة بالرسل عليهم الصلاة والسلام وبخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم فقد أوذي وأخرج من بلاده مكة إلى المدينة.

فالداعي إلى الله سبحانه الصادق المخلص له البشرى بالخير والعزة والكرامة، وحسن العاقبة، إذا سلك الطريق السوي، وكان على خلق عظيم، وهدى وسيرة حميدة، من غير عنف ولا شدة، ولا دخول فيما لا يعنيه، فإنه على خير عظيم، كما حصل للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ولخاتمهم وأفضلهم، وإمام الدعاة والمجاهدين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثم ما حصل للتابعين لهم بإحسان، والله ولي التوفيق.