الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه، أما بعد:

فقد أجمع علماء الإسلام على جواز زواج الرجل من امرأة من غير قبيلته - إذا اتحد الدين- وأجمعوا أيضاً على جواز نكاح المسلم للمحصنة من أهل الكتاب – ولو كانت من غير العرب –.

والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة، وعمل سلف الأمة كثيرة، منها: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[2].

فأوضح الله في هذه الآية الكريمة لعباده، أنه لا ميزة لأحد على أحد ولا فضل لأحد على أحد عند الله سبحانه إلا بالتقوى، فأكرم الناس عند الله أتقاهم، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: من أكرم الناس؟ فقال: ((أتقاهم)).

فدلت الآية المذكورة والحديث المذكور: على أن القبائل فيما بينها متكافئة، وأنه يجوز للقرشي والهاشمي أن ينكحا من تميم وقحطان وغيرهما من القبائل، وهكذا عكس ذلك، وقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم وهو أفضل بني هاشم زينب بنت جحش، وهي من بني أسد بن خزيمة، وليست قرشية، وتزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان، وحفصة بنت عمر، وجويرية بنت الحارث، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة، وعائشة، وهن لسن من بني هاشم، وتزوج عليه الصلاة والسلام صفية بنت حيي، وهي من بني إسرائيل.

وتزوج عمر بن الخطاب رضي الله عنه أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وهو من بني عدي، وهي من بني هاشم، وتزوج عثمان رضي الله عنه رقية وأم كلثوم ابنتي الرسول صلى الله عليه وسلم وهو من بني أمية، وهما ابنتا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بني هاشم.

والوقائع في هذا الباب كثيرة جداً، وكلها تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لم يكونوا يبالون بأمر النسب إذا استقام أمر الدين.

ومما يدل على ذلك - أيضاً - أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج أسامة بن زيد فاطمة بنت قيس، وهي قرشية وأسامة مولى من بني كلب، وهكذا أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، زوج ابنة أخيه الوليد على مولاه سالم، وهي قرشية وسالم مولى. وهكذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه زوج أخته الأشعث بن قيس، وهو تيمي قرشي والأشعث كندي يمني من قحطان، وهكذا عبد الرحمن بن عوف الزهري رضي الله عنه زوج أخته بلال بن رباح المؤذن، وهي زهرية قرشيه وبلال من الحبش.

وهذا كله يدل طالب العلم على جواز نكاح الإنسان من غير قبيلته إذا استقام الدين وفيما ذكرناه من الأدلة والوقائع كفاية إن شاء الله.

وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا وسائر المسلمين للفقه في الدين، والتمسك بشريعة سيد المرسلين، والسير على سيرته وسيرة أصحابه المرضيين، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه وسلم.

نائب رئيس الجامعة الإسلامية

عبد العزيز بن عبد الله بن باز