قد علم من الدين بالضرورة وبالأدلة الشرعية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يوجد في كل مكان، وإنما يوجد جسمه في قبره فقط في المدينة المنورة، أما روحه ففي الرفيق الأعلى في الجنة، وقد دل على ذلك ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال عند الموت: ((اللهم في الرفيق الأعلى)) ثلاثاً ثم توفي.

وقد أجمع علماء الإسلام من الصحابة ومن بعدهم أنه عليه الصلاة والسلام دفن في بيت عائشة رضي الله عنها المجاور لمسجده الشريف، ولم يزل جسمه فيه إلى حين التاريخ، أما روحه وأرواح بقية الأنبياء والمرسلين وأرواح المؤمنين فكلها في الجنة، لكنها على منازل في نعيمها ودرجاتها حسب ما خص الله به الجميع من العلم والإيمان، والصبر على حمل المشاق في سبيل الدعوة إلى الحق.

أما الغيب فلا يعلمه إلا الله وحده، وإنما يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره من الخلقمن الغيب ما أطلعهم الله عليه مما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة بيانه؛ من أمور الجنة والنار وأحوال القيامة، وغير ذلك مما دل عليه القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة، كأخبار الدجال وطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة، ونزول المسيح عيسى بن مريم في آخر الزمان وأشباه ذلك؛ لقول الله عز وجل في سورة النمل: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ[1]، وقوله سبحانه: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ[2] الآية من سورة الأنعام، وقوله سبحانه في سورة الأعراف: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[3] والآيات في هذا المعنى كثيرة.

وقد صح عن رسول الله في أحاديث ما يدل على أنه لا يعلم الغيب، منها ما ثبت في جوابه لجبريل لما سأله عن الساعة قال: ((ما المسئول عنها بأعلم من السائل))، ثم قال: ((في خمس لا يعلمهن إلا الله))، وتلا قوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ[4] الآية من سورة لقمان، ومنها أنه عليه الصلاة والسلام لما رمى أهل الإفك عائشة رضي الله عنها بالفاحشة لم يعلم براءتها إلا بنزول الوحي؛ كما في سورة النور، ومنها أنه لما ضاع عقد عائشة في بعض الغزوات لم يعلم صلى الله عليه وسلم مكانه، وبعث جماعة في طلبه فلم يجدوه، فلما قام بعيرها وجدوه تحته. وهذا قليل من كثير من الأحاديث الواردة في هذا المعنى.

أما ما يظنه بعض الصوفية من علمه بالغيب وحضوره صلى الله عليه وسلم لديهم في أوقات احتفالهم بالمولد وغيره فهو شيء باطل لا أساس له، وإنما قادهم إليه جهلهم بالقرآن والسنة وما كان عليه السلف الصالح. فنسأل الله لنا ولجميع المسلمين العافية مما ابتلاهم به، كما نسأله سبحانه أن يهدينا وإياهم جميعا صراطه المستقيم إنه سميع مجيب.