فقد نص أهل العلم في باب المحرمات في النكاح على هاتين المسألتين، وأوضحوا أنه لا حرج في جمع الرجل بين امرأة رجل توفي عنها أو طلقها، وبين ابنته من غيرها، وذكروا في ذلك أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما جمع بين إحدى زوجات عمه علي رضي الله عنه بعد وفاته، وبين ابنته من غيرها، وهذا الجمع لا يخالف القاعدة المذكورة ؛ لأن المرأتين المذكورتين ليس بينها قرابة تحريم النكاح إحداهما للأخرى لو كانت إحداهما ذكراً، وإنما الذي بينهما مصاهرة، والمصاهرة في هذا لا تمنع الجمع، أما المرأتان اللتان بينهما قرابة تمنع نكاح إحداهما للأخرى لو كانت إحداهما ذكراً، فهي تتصور في الأختين، والمرأة وخالتها، والمرأة وعمتها نسباً ورضاعاً، وفي مسائل أخرى، وقد جاء النص القرآني في تحريم الجمع بين الأختين في قوله سبحانه في سورة النساء : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ[1] الآية .

وصح عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وجابر بن عبدالله رضي الله عنهما، أنه ((نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها))، أخرج حديث أبي هريرة الشيخان وانفرد البخاري عن مسلم بحديث جابر، وذكر البخاري رحمه الله في كتاب النكاح، في باب ما يحل ويحرم من النساء، أثر عبد الله بن جعفر الذي ذكرنا معلقاً بصيغة الجزم، ولفظه : ( وجمع عبد الله بن جعفر بين ابنة علي وامرأة علي )، ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حل الجمع بين امرأة رجل وابنته من غيرها عن الأئمة الأربعة، وأكثر أهل العلم، ذكر ذلك عنه العلامة الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله في المجلد الثاني والثلاثين من مجموع الفتاوى ( ص71 )، ونقل الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) مثل ما فعل عبد الله بن جعفر عن صحابي يدعى جبلة تولى إمرة مصر، ونقل مثل ذلك نسباً عن عبد الله بن صفوان بن أمية.

وبذلك يتضح لكم أنه لا وجه للتوقف في حل هذه المسألة ؛ لأن من ذكر فعلوا ذلك من غير نكير ؛ ولأن الأصل حل ذلك، فلا يحرم من الفروج إلا ما حرمه الله سبحانه ؛ لأن الله عز وجل لما ذكر المحرمات في النكاح في سورة النساء قال بعد ذلك : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [2] . فعلم بذلك أنه لا يحرم من النساء إلا ما قام الدليل على تحريمه، وهكذا الجمع بين النساء لا يحرم منه إلا ما نص الشرع على تحريمه، وينبغي أن يعلم أن الخؤولة والعمومة لا فرق فيهما بين القرب البعد، فيحرم على الرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها وإن علت، وبينها وبين ابنة أخيها، و إن سفلت وهكذا يحرم عليه أن يجمع بين المرأة وخالتها وإن علت، وبين المرأة وابنة أختها وإن سفلت، كما نص على ذلك أهل العلم, ووجه ذلك أن عمة الرجل والمرأة تعتبر عمة لأولادهما وإن سفلوا وهكذا الخالة .