الواجب على من سمع النداء بالصوت المعتاد من غير مكبر أن يجيب إلى الصلاة في الجماعة في المسجد الذي ينادى بها فيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر))[1] أخرجه ابن ماجه والدارقطني وابن حبان والحاكم، بإسناد صحيح وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن العذر؟ فقال: (خوف أو مرض)، وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً أعمى قال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((هل تسمع النداء للصلاة))؟ قال: نعم، قال: ((أجب))[2] وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق أو مريض، ولقد كان الرجل يؤتى به إلى الصلاة يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف)[3] وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار))[4] والأحاديث في تعظيم شأن الصلاة والحث على أدائها في المساجد كثيرة، فالواجب على المسلمين المحافظة عليها في المساجد والتواصي بذلك والتعاون في ذلك، وعلى الإمام والمؤذن تشجيع الناس على ذلك وتفقدهم، وعلى ولي الأمر أن يعاقب من يتخلف عن الصلاة في المسجد بما يردعهم عن ذلك؛ لأن الصلاة هي عمود الإسلام وهي أعظم شعائره، وأعظم أركانه بعد الشهادتين من حافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر))[5]، وقال عليه الصلاة والسلام: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة))[6]، وأخرج الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من حافظ على الصلاة كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة وحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف))[7]، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكتب إلى أمرائه في أنحاء البلاد ويقول لهم: (إن أهم أمركم عندي الصلاة فمن حفظها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع). أما من كان بعيداً عن المسجد، لا يسمع النداء إلا بالمكبر، فإنه لا يلزمه الحضور إلى المسجد وله أن يصلي ومن معه في جماعة مستقلة لظاهر الأحاديث المذكورة. فإن تجشموا المشقة وحضروا مع الجماعة في المساجد التي لا يسمعون منها النداء إلا بالمكبر بسبب بعدهم عنها كان ذلك أعظم لأجرهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى))[8]، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا توضأ المسلم في بيته ثم خرج إلى الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة))[9]، وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: ((إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة وكتب له بها حسنة))، وفي صحيح مسلم أن رجلاً كان بعيدا عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له بعض أصحابه لو اشتريت حماراً تركبه في الرمضاء وفي الليلة الظلماء فأبى وقال إنني أحب أن يكتب الله خطاي ذاهبا وراجعا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((إن الله قد جمع له ذلك كله))[10] والأحاديث في فضل الذهاب إلى المساجد والحث على ذلك كثيرة جدا. والله ولي التوفيق.