وهي نصيحة صدرت مني في تاريخ 25 / 3 / 1405هـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فيا معشر إخواني المسلمين هذه كلمة أوجهها إليكم للحث والترغيب في مساعدة إخوانكم المسلمين في أفريقيا المنكوبين بالجفاف والجدب والجوع. طاعة لله سبحانه وتعالى، وطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم وتعاونا معكم على البر والتقوى عملا بقول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}[1]، وقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}[2]، وقوله جل وعلا: {وَأَنْفِقُوا مما رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ}[3].
وتعلمون بارك الله فيكم ما حل بالكثير من إخوانكم المسلمين في أفريقيا وفي السودان بوجه خاص منذ سنوات من جفاف وقحط لاحتباس الأمطار عنهم مما جعل المنظمات التبشيرية تتحرك نحوهم باسم الإنسانية مع أن لها أهدافا أخرى، خفية ومعلنة، وهي دعوة المسلمين هناك إلى التحول عن دينهم إلى النصرانية استغلالا لحاجتهم وعوزهم وجوعهم.
وأنتم أيها المسلمون أولى الناس بمد يد العون إليهم؛ لأنكم تسمعون وتقرأون كما أسمع وأقرأ عن أخبار جفاف وهلاك المحاصيل والحيوانات، وعن عدد الذين يموتون جوعا كل يوم من الرجال والأطفال والنساء، وأغلبهم من المسلمين، وهؤلاء إخوة لنا في الدين وجيران لنا في الأوطان، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة)) متفق على صحته.
ثم اعلموا بارك الله فيكم أن المال الذي في أيديكم إنما هو مال الله عز وجل وأنتم مستخلفون فيه، وقد أمركم الله بالإنفاق منه ووعدكم بالخلف فقال تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ}[4]، وقال سبحانه: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}[5] ومن بخل أيها الإخوة بماله، أو استغنى عن الأجر من ربه، فليس بمأمن من عقاب الله، وقد يحل به ما حل بإخوانه في أفريقيا والعياذ بالله من فجاءة نقمته، وما ذلك على الله بعزيز فهو القائل وقوله الحق: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}[6]فيا أيها المسلمون استجيبوا لنداء ربكم، وابذلوا من أموالكم في سبيله، واشكروا نعم الله عليكم بأداء حقها، ومن حقها إنقاذ الأنفس المؤمنة، وهو حق لو تعلمون عظيم، فقد روى جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه واقعة حدثت في عهد رسول الله تهيب بالمسلم إلى المبادرة لمواساة إخوانه الفقراء ورحمتهم حيث قال رضي الله عنه: ((كنا في صدر النهار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء قوم عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ}[7] الآية، والآية الأخرى التي في آخر الحشر:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَوَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}[8] تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه، من صاع بره من صاع تمره)) حتى قال: ((ولو بشق تمرة)) فجاء رجل من الأنصار بصرة من فضة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)) رواه مسلم.
وأنتم أيها المسلمون قد رأيتم بأعينكم وقرأتم بأنفسكم ما يقال عن هذه المحنة القاسية والمجاعة الأليمة التي تتعرض لها أنفس من إخوانكم المسلمين في أفريقيا، فتصدقوا عليهم مما أفاء الله عليكم أسوة برسول الله في حبه للخير ودعوته للصدقة، وإنفاقه في سبيل الله، وأسوة بأصحابه رضي الله عنهم في مسارعتهم للإنفاق في وجوه الخير، ففي كل نفس رطبة صدقة، ولا يحقرن أحدكم ما يبذل في نفع إخوانه من نقد أو متاع أو طعام واقطعوا بمسارعتكم طريق الرجعة على الكفار الذين انتهزوا هذه المجاعة لغزو المسلمين في عقر دارهم بالتنصير والتضليل، وذلك بما تبذلونه وتنفقونه في سبيل الله لمواساة إخوانكم والإحسان إليهم وإغنائهم عن عدوهم المتربص بهم الدوائر. واعلموا أن الصدقة تدفع ميتة السوء وتذهب البلاء، وتطفئ الخطيئة، كما روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما قال تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ}[9] وقد قال سبحانه: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا}[10]وإنها لمبادرة كريمة ومباركة إن شاء الله تلك التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز حفظه الله، إذ أهمه ما يلقاه إخوانه المسلمون وغيرهم في أفريقيا من جوع وعري وعطش وموت فأمر جلالته - حفظه الله - بتشكيل لجان في سائر أنحاء المملكة لإغاثة الجياع ومساعدة المحتاجين هناك، فجزاه الله خيرا وضاعف مثوبته ونصر به الحق.
ولقد نشرت الصحف ووسائل الإعلام أخبار هذه اللجان التي نرجو لها التوفيق بإذن الله، وهي أهداف جليلة حيث تعمل على إنقاذ الأنفس من الهلاك، والمساعدة لاجتياز المحنة، بما تجود به نفوس طالبي الأجر والمثوبة من الله.
فأهيب بكم - أيها الإخوة في الله - للمساعدة والتعاون مع هذه اللجان في جمع المساعدات والتشجيع عليها، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، وقد صح عن رسول الله في أنه قال: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)) وشبك بين أصابعه، وقال صلى الله عليه وسلم: ((مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار)) وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون أعظم من الجبل))والآيات والأحاديث في فضل الصدقة ومساعدة فقراء المسلمين ومواساتهم كثيرة معلومة. وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم للمسابقة لما يرضيه، وأن يتقبل منا ومنكم، وأن يجزل مثوبتكم ويخلف عليكم ما تنفقون في سبيل الخير بأحسن الخلف، وأن يرحم إخواننا المسلمين في أفريقيا وغيرها، وأن يغيثهم من فضله، ويرفع عنهم ما نزل بهم من بلاء ومصيبة. إنه جواد كريم وبالإجابة جدير، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.