بعد انتهاء المحاضر من إلقاء محاضرته "عقيدة أهل السنة والأثر.." قام فضيلة نائب رئيس الجامعة الإسلامية آنذاك الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز فعلق على المحاضرة بالكلمة التالية[1].
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.
أما بعد: فإنا نشكر محاضرنا الأستاذ الفاضل الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد على هذه المحاضرة القيمة الواسعة فلقد أجاد فيها وأفاد واستوفى المقام حقا فيما يتعلق بالمهدي المنتظر مهدي الحق، ولا مزيد على ما بسطه من الكلام فقد بسط واعتنى، وذكر الأحاديث، وذكر كلام أهل العلم في هذا الباب، وقد وفق للصواب وهدي إلى الحق، فجزاه الله عن محاضرته خيرا وجزاه الله عن جهوده خيرا وضاعف له المثوبة وأعانه على التكميل والإتمام لرسالته في هذا الموضوع، وسوف نقوم -إن شاء الله- بطبعها بعد انتهائه منها لعظم فائدتها ومسيس الحاجة إليها والخلاصة التي أعلقها على هذه المحاضرة القيمة أن أقول:
إن الحق والصواب هو ما أبداه فضيلته في هذه المحاضرة، كما بينه أهل العلم، فأمر المهدي أمر معلوم والأحاديث فيه مستفيضة بل متواترة متعاضدة، وقد حكى غير واحد من أهل العلم: تواترها، كما حكاه الأستاذ في هذه المحاضرة، وهي متواترة تواترا معنويا لكثرة طرقها واختلاف مخارجها وصحابتها ورواتها وألفاظها، فهي بحق تدل على أن هذا الشخص الموعود به أمره ثابت وخروجه حق وهو (محمد بن عبد الله العلوي الحسني) من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهذا الإمام من رحمة الله عز وجل للأمة في آخر الزمان يخرج فيقيم العدل والحق ويمنع الظلم والجور، وينشر الله به لواء الخير على الأمة عدلا وهداية وتوفيقا وإرشاداً للناس.
وقد اطلعت على كثير من أحاديثه فرأيتها كما قال الشوكاني وغيره، وكما قال ابن القيم وغيره: فيها الصحيح وفيها الحسن، وفيها الضعيف المنجبر، وفيها أخبار موضوعة، ويكفينا من ذلك ما استقام سنده، سواء كان صحيحا لذاته أو لغيره، وسواء كان حسنا لذاته أو لغيره، وهكذا الأحاديث الضعيفة إذا انجبرت وشد بعضها بعضا فإنها حجة عند أهل العلم. فإن المقبول عندهم أربعة أقسام: صحيح لذاته، وصحيح لغيره، وحسن لذاته، وحسن لغيره.
هذا ما عدا المتواتر، أما المتواتر فكله مقبول سواء كان تواتره لفظيا أو معنويا، فأحاديث المهدي من هذا الباب متواترة تواترا معنويا، فتقبل بتواترها من جهة اختلاف ألفاظها ومعانيها وكثرة طرقها وتعدد مخارجها، ونص أهل العلم الموثوق بهم على ثبوتها وتواترها.
وقد رأينا أهل العلم أثبتوا أشياء كثيرة بأقل من ذلك، والحق أن جمهور أهل العلم - بل هو اتفاق منهم - على ثبوت أمر المهدي، وأنه حق، وأنه سيخرج في آخر الزمان.
أما من شذ عن أهل العلم في هذا الباب فلا يلتفت إلى كلامه في ذلك. وأما ما قاله الحافظ إسماعيل بن كثير رحمة الله عليه في كتابه التفسير في سورة المائدة عند ذكر النقباء، وأن المهدي: يمكن أن يكون أحد الأئمة الاثني عشر فهذا: محل نظر.
فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (لا يزال أمر هذه الأمة قائما ما ولي عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش) فقوله: (لا يزال أمر هذه الأمة قائما) يدل على أن الدين في زمانهم قائم، والأمر نافذ، والحق ظاهر، ومعلوم أن هذا إنما كان قبل انقراض دولة بني أمية، وقد جرى في آخرها اختلاف تفرق بسببه الناس، وحصل به نكبة على المسلمين، وانقسم أمر المسلمين إلى خلافتين: خلافة في الأندلس، وخلافة في العراق، وجرى من الخطوب والشرور ما هو معلوم.
والرسول عليه الصلاة والسلام قال: (لا يزال أمر هذه الأمة قائما) ثم جرى بعد ذلك أمور عظيمة حتى اختل نظام الخلافة وصار على كل جهة من جهات المسلمين أمير وحاكم وصارت دويلات كثيرة، وفي زماننا هذا أعظم وأكثر. والمهدي حتى الآن لم يخرج، فكيف يصح أن يقال أن الأمر قائم إلى خروج المهدي؟ هذا لا يمكن أن يقوله من تأمل ونظر.
والأقرب في هذا كما قاله جماعة من أهل العلم: أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث: (لا يزال أمر هذه الأمة قائما ما ولي عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش) أن مراده من ذلك: الخلفاء الأربعة، ومعاوية رضي الله عنهم، وابنه يزيد، ثم عبد الملك بن مروان، وأولاده الأربعة، وعمر بن عبد العزيز، فهؤلاء اثنا عشر خليفة. والمقصود أن الأئمة الاثني عشر في الأقرب والأصوب ينتهي عددهم بهشام بن عبد الملك، فإن الدين في زمانهم قائم والإسلام منتشر والحق ظاهر والجهاد قائم، وما وقع بعد موت يزيد من الاختلاف والانشقاق في الخلافة وتولي مروان في الشام وابن الزبير في الحجاز، لم يضر المسلمين في ظهور دينهم، فدينهم ظاهر وأمرهم قائم وعدوهم مقهور مع وجود هذا الخلاف الذي جرى ثم زال بحمد الله بتمام البيعة لعبد الملك واجتماع الناس بعد ما جرى من الخطوب على يد الحجاج وغيره.
وبهذا يتبين أن هذا الأمر الذي أخبر به صلى الله عليه وسلم قد وقع ومضى وانتهى، وأمر المهدي يكون في آخر الزمان وليس له تعلق بحديث جابر بن سمرة في الأئمة الاثني عشر.
أما كون المهدي يكون عند نزول عيسى فقد قال ابن كثير في الفتن والملاحم: أظنه يكون عند نزول المسيح، والحديث الذي رواه الحارث ابن أبي أسامة يرشد إلى هذا ويدل عليه؛ لأنه قال: أميرهم المهدي، فهو صريح في أنه يكون عند نزول عيسى ابن مريم، كما ترشد إليه بعض روايات مسلم وبعض الروايات الأخرى، لكن ليست بالصريحة فهذا هو الأقوم والأظهر ولكنه ليس بالأمر القطعي.
أما كونه سيخرج في آخر الزمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فهذا أمر معلوم، والأحاديث ظاهرة في ذلك كما تقدم، والحق كما قاله الأئمة والعلماء في ذلك أنه لا بد من خروجه وظهوره.
وأما أمر المسيح ابن مريم عليه الصلاة والسلام وأمر المسيح الدجال فأمرهما أظهر وأوضح، فالأمر فيهما قطعي، وقد أجمع على ذلك علماء الأمة وبينوا للناس أن المسيح نازل في آخر الزمان، كما أن الدجال خارج في آخر الزمان، وقد تواترت بذلك الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وكلها صحيحة متواترة بنزول عيسى عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان وحكمه بشريعة محمد عليه الصلاة والسلام وقتله الدجال مسيح الضلالة. هذا حق وهكذا خروج الدجال حق أما من أنكر ذلك وزعم أن نزول المسيح ابن مريم ووجود المهدي إشارة إلى ظهور الخير، وإن وجود الدجال ويأجوج ومأجوج وما أشبه ذلك إشارة إلى ظهور الشر فهذه أقوال فاسدة بل باطلة في الحقيقة، لا ينبغي أن تذكر، فأهلها قد حادوا عن الصواب وقالوا أمرا منكرا وأمرا خطيرا، لا وجه له في الشرع ولا وجه له في الأثر ولا في النظر، والواجب تلقي ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم بالقبول والإيمان به والتسليم، فمتى صح الخبر عن رسول الله فلا يجوز لأحد أن يعارضه برأيه واجتهاده، بل يجب التسليم كما قال الله عز وجل: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[2]، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر عن الدجال وعن المهدي وعن عيسى المسيح ابن مريم فوجب تلقي ما قاله بالقبول والإيمان بذلك والحذر من تحكيم الرأي والتقليد الأعمى الذي يضر صاحبه ولا ينفعه لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وأسأل الله عز وجل أن يوفق الجميع لما فيه رضاه وأن يمنحنا جميعا الفقه في دينه والثبات على الحق حتى نلقى ربنا سبحانه وتعالى وهو راض عنا. وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.