الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد اطلعت على مقال لبعض الكتاب في عام 1391هـ جزم فيه بأن حلق اللحية ليس حراماً ولا مباحاً ولكنه مكروه، وبنى ذلك على أمرين:

أحدهما: أنه لم يرد في ذلك نص قطعي يدل على تحريم حلقها.

والثاني: أن الأمر بالشيء لا يقتضي تحريم مخالفته؛ لأمور منها:

أن المختار عن الحنفية أن الأمر بالشيء لا يقتضي تحريم ضده. ومنها: أن الأمر بالشيء إذا اقترن به علة معقولة المعنى - وهي أن الشارع لم يطلبه لذاته بل لمقصد آخر مقترن به عند صدور الأمر - إذا انفك عنه هذا المقصد لم يفد الأمر الوجوب، والأمر بالإعفاء والإخفاء المقصود منه مخالفة المجوس.

ومنها: أن مخالفة المسلمين غيرهم مطلوبة فيما هو من شعائر دينهم لا مطلقاً.. الخ.

ومنها: أنه ورد ما يدل على عدم التحريم؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: إن اليهود والنصارى لا يصلون في نعالهم فخالفوهم، ولم يقل أحد بوجوب الصلاة في النعال وأن خلعها حرام، وقوله صلى الله عليه وسلم: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم، وقد فهم منه الصحابة الندب، فلم يصبغ بعضهم.

ومنها: أنه إذا ذكرت أفعال متعددة وأعطيت حكماً واحداً سرى هذا الحكم عليها جميعاً، وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: عشر من الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار إلى آخر الحديث.

ومنها: أنه قد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها ولو كان الأمر بالإعفاء على إطلاقه لما أخذ منها شيئاً. هذه جملة ما بنى عليه هذا الكاتب حكمه بعدم تحريم حلق اللحية.

وقد تضمن مقالة تحبيذ الإعراض عن البحث في هذا الموضوع؛ لأن مسألة اللحية من المسائل الفرعية، ونحن المسلمين نقف في ميدان حرب بين الكفر والإيمان، ومن كان بيته مهدداً بالنسف بالبارود لا يسأل عن زجاج النافذة من كسره؟ ومن كان على سرير العمليات يعمل الطبيب سكينه في رئته لاستخراج السرطان منها يخشى أن يعاجله الموت قبل أن يعالجه من المرض لا يدع عملية الرئة لاستخراج شوكة من تحت ظفر اليد.. إلى أن قال في آخر مقاله: وأُكرر القول أننا نواجه اليوم أعنف هجوم على الإسلام، ونقابل حرباً تخطط لها عقول كبيرة شريرة، وتنفق عليها الأموال الكثيرة الوفيرة .. إلى أن قال: من الواجب توجيه القوى الإسلامية إلى ذلك العدو... إلى أن قال: ومقصدي أن أقول لإخواننا الدعاة إلى الله: إن عدم إعفاء اللحية ليس من المحرمات الصريحة فلا يبدؤوا الشباب بها ولا يحملوهم حملاً عليها، بل نبدأ بما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم بتصحيح الإيمان واجتناب الكبائر وإقامة الأركان. انتهى.

كما ذكر في أثناء المقال أنه ذهب إلى أوروبا للعلاج فرأى أن إعفاء اللحية صار شعاراً لطائفة الهيبيين الفاسدين وأنها حلية المنحرفين... ثم قال: أقول هذا لمجرد البيان.

والجواب أن يقال: قد وقع في هذا المقال أخطاء كثيرة بعضها أشد من بعض، وسننبه عليها إن شاء الله بالتفصيل.

فنقول: أما اشتراطه للحكم بالتحريم أن يكون النص قطعي الورود والدلالة فهو مجرد دعوى لا دليل عليها بل قول باطل من وجوه:

الوجه الأول: أن ذلك خلاف المعروف من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه رضي الله عنهم وعمل العلماء بعدهم. فلم يزل صلى الله عليه وسلم يبعث الواحد والاثنين وأكثر من ذلك دعاة ومبلغين للإسلام وأحكام الشريعة، ولو كان ذلك لا تقوم به الحجة لم يفعله عليه الصلاة والسلام، ولم يزل أصحابه رضي الله عنهم يعملون بخبر الآحاد ويحتجون به في العقائد والأحكام، ولا نعلم أن أحداً منهم أنكر ذلك، وليس كل خبر من أخبار الآحاد يفيد القطع. فعلم بذلك أن هذا الشرط لا أصل له عندهم، والوقائع عنهم في ذلك كثيرة مشهورة؛ منها: عمل الصديق رضي الله عنه بشهادة المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في ميراث الجدة، وعمل عمر رضي الله عنه بشهادتهما في دية الجنين، وعمله بشهادة أبي موسى وأبي سعيد رضي الله عنهما في الاستئذان، وأمره لابنه عبد لله أن يقبل خبر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إذا أخبره عن الرسول صلى الله عليه وسلم بشيء، ولا يسأل عنه غيره، ومنها: عمل أهل قباء بخبر الذي أخبرهم بنسخ القبلة من الشام إلى الكعبة... إلى غير ذلك من الوقائع الكثيرة. وقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم والعلماء بعدهم على العمل بحديث عمرو بن العاص وأبي هريرة رضي الله عنهما في تحريم الجمع بين المرأة وخالتها وبين المرأة وعمتها، وخصوا بذلك قول الله سبحانه: وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ[1]، والأدلة في ذلك أكثر من أن تحصى.

الوجه الثاني: أنه يترتب على هذا الشرط إلغاء الكثير من الأحكام الشرعية الثاتبة بالسنة المطهرة؛ لأن أدلتها ليست قطعية بالمعنى الذي يقصده هذا الكاتب؛ لأن القطعي من السنة عند أكثر المتأخرين هو المتواتر، أما الآحاد ليست قطعية عندهم، وهذا اللازم كافٍ في إبطال هذا الشرط وعدم اعتباره، فكيف وهو مخالف لجميع الأدلة الشرعية، ولما سار عليه المصطفى عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضي الله عنهم وجميع العلماء بعدهم، كما سبق بيان ذلك في الوجه الأول.

الوجه الثالث: ما قد علم من إجماع علماء الإسلام على أنه يجب العمل بالأدلة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع الأحكام من التحريم والإباحة وغيرهما، وإنما اختلف علماء الأصول في إفادة أخبار الآحاد العلم؛ فقال قوم: إنها لا تفيد إلا الظن وإنما يستفاد العلم من نص القرآن الكريم والأحاديث المتواترة، وقال آخرون: بل يستفاد العلم من أخبار الآحاد ويقطع صحتها بالقرائن الدالة على ذلك. أما العمل بها في إثبات العقائد والأحكام فلم يختلف العلماء في وجوبه. وممن صرح بذلك الإمام أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله في كتابه: (جامع بيان العلم وفضله) قال ما نصه بعدما ذكر الضرب الأول من السنة وهو الخبر المتواتر، قال: (والضرب الثاني من السنة خبر الآحاد الثقات الأثبات المتصل الإسناد، فهذا يوجب العمل عند جماعة علماء الأمة الذين هم الحجة والقدوة، ومنهم من يقول: إنه يوجب العلم والعمل جميعاً) انتهى المقصود.

وقال العلامة النووي رحمه الله في مقدمة شرحه لصحيح مسلم بعدما ذكر قول العلامة ابن الصلاح: ("إن أحاديث الصحيحين تفيد القطع والعلم النظري؛ لتلقي الأمة لهما بالقبول" ما نصه: وهذا الذي ذكره الشيخ خلاف ما قاله المحققون والأكثرون، فإنهم قالوا: أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة إنما تفيد الظن فإنها آحاد والآحاد إنما تفيد الظن على ما تقرر، ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك، وتلقي الأمة لهما بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما، وهذا متفق عليه. فإن أخبار الآحاد التي في غيرهما يجب العمل بها إذا صحت أسانيدها ولا تفيد إلا الظن، فكذا الصحيحان، وإنما يفترق الصحيحان وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحاً لا يحتاج إلى النظر فيه، بل يجب العمل به مطلقاً، وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى ينظر وتوجد فيه شروط الصحيح. ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه كلام النبي صلى الله عليه وسلم) انتهى.

وهذا الذي ذكره النووي رحمه الله من إجماع الأمة على وجوب العمل بأحاديث الصحيحين وإن لم تفد القطع؛ لكونها أخبار آحاد موافق لما نقلناه آنفاً عن الإمام ابن عبد البر ودال على أن الخلاف بين العلماء في أخبار الآحاد إنما هو في إفادتها العلم لا في وجوب العمل بها إذا صحت أسانيدها، وهذا مطابق لما ذكرنا في الوجه الأول والثاني من هذا الجواب، وهو معلوم من الدين بالضرورة، والقول بخلافه قول في غاية البطلان والمخالفة للأدلة الشرعية ولما اجتمعت عليه الأمة.

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في النخبة وشرحها ما نصه: (وقد يقع فيها - أي في أخبار الآحاد المنقسمة إلى مشهور وعزيز وغريب - ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار، خلافاً لمن أبى ذلك، والخلاف في التحقيق لفظي؛ لأن من جوز إطلاق العلم قيده بكونه نظرياً، وهو الحاصل عن الاستدلال، ومن أبى الإطلاق خص لفظ العلم بالمتواتر، وما عداه عنده كله ظني، لكنه لا ينفي أن ما احتف بالقرائن أرجح مما خلا عنها، والخبر المحتف بالقرائن أنواع: منها ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما مما لم يبلغ التواتر، فإنه احتفت به قرائن منها: جلالتهما في هذا الشأن وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة على التواتر، إلا أن هذا يختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين؛ حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته. فإن قيل: إنما اتفقوا على وجوب العمل به لا على صحة معناه، وسند المنع أنهم متفقون على وجوب العمل بكل ما صح ولو لم يخرجه الشيخان، فلم يبق للصحيحين في هذا مزية، والإجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة. وممن صرح بإفادة ما خرجه الشيخان العلم النظري الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، ومن أئمة الحديث أبو عبد الله الحميدي وأبو الفضل ابن طاهر وغيرهما. ويحتمل أن يقال: المزية المذكورة كون أحاديثهما أصح الصحيح، ومنها المشهور إذا كانت له طرق متباينة سالمة من ضعف الرواة والعلل. وممن صرح بإفادته العلم النظري الأستاذ أبو منصور البغدادي، والأستاذ أبو بكر بن فورك و غيرهما. ومنها المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين حيث لا يكون غريباً كالحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل مثلاً ويشاركه فيه غيره عن الشافعي، ويشاركه فيه غيره عن مالك بن أنس، فإنه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته وأن فيهم من الصفات اللائقة الموجبة للقبول ما يقوم مقام العدد الكثير من غيرهم، ولا يتشكك من له أدنى ممارسة للعلم وأخبار الناس أن مالكاً مثلاً لو شافهه بخبر أنه صادق فيه، فإذا انضاف إليه من هو في تلك الدرجة ازداد قوة، وبعد عما يخشى عليه من السهو.

وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصل العلم بصدق الخبر منها إلا للعالم بالحديث المتبحر فيه، العارف بأحوال الرواة، المطلع على العلل. وكون غيره لا يحصل له العلم بصدق ذلك؛ لقصوره عن الأوصاف المذكورة لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور. ومحصل الأنواع الثلاثة التي ذكرناها: أن الأول: يختص بالصحيحين، والثاني: بما له طرق متعددة، والثالث: بما رواه الأئمة، ويمكن اجتماع الثلاثة في حديث واحد فلا يبعد حينئذٍ القطع بصدقه. والله أعلم).

وهذا الذي ذكره الحافظ رحمه الله موافق لما نقلناه عن الإمام ابن عبد البر والعلامة النووي رحمة الله عليهما في بيان أن الخلاف إنما هو في إفادة أخبار الآحاد العلم والقطع، أما الاحتجاج بها ووجوب العمل بها إذا صحت أسانيدها فأمر مجمع عليه بين أهل العلم، وأحاديث الأمر بإعفاء اللحى وقص الشوارب أحاديث صحيحة قد روى بعضها الشيخان وروى بعضها الإمام مسلم في صحيحه، كما رواها غيرهما من أئمة أهل الحديث، فهي صحيحة بلا ريب ومفيدة للقطع بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قالها عند جمع من أئمة الحديث منهم أبو عبد الله الحميدي وأبو الفضل ابن طاهر وأبو عمرو ابن الصلاح وغيرهم رحمهم الله.

فعلم بما أوضحناه أن تعليل أحاديث الأمر بإعفاء اللحى وإرخائها وجز الشوارب بأنها ليست قطعية الورود والدلالة تعليل باطل مخالف لما أجمع عليه أهل العلم، لا يجوز التعلق به ولا التعويل عليه، بل يجب على قائله أن يعلن التوبة إلى الله منه؛ لكونه منكراً عظيماً وقولاً شنيعاً، يترتب عليه أنواع من الباطل وطعن في كثير من أحكام الشرع المطهر، والمنكر إذا أُعلن يجب على صاحبه أن يعلن التوبة منه حتى يُعلم رجوعه عنه، كما قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ[2]، فلم يكتف سبحانه في حق هؤلاء بمجرد التوبة والإصلاح، بل شرط في صحة ذلك البيان؛ فقال: وَبَيَّنُواْ، فعلم أن التوبة الخالية من البيان لا تكفي، بل لا بد من بيان الحق للناس حتى يخرج بذلك من عهدة الكتمان.

ولا شك أن من قال هذا القول المنكر لو تأمل المقام حين قال ما قال لم يقدم على هذه المقالة الشنيعة؛ لأن أهل العلم الراغبين في بيان الحق للناس لا يخفى عليهم أمرها لو تأملوا.

فالواجب على كل من قال هذا المقال الرجوع عن الخطأ وإظهار الحق كما هو سبيل أهل العلم، وليس في بيان الحق والرجوع إليه نقص ولا غضاضة على طالب العلم بل ذلك دليل على فضله وإنصافه وإيثاره الحق على ما سواه.

وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه: (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة) في هذا المقام كلاماً جيداً عظيم النفع ننقله للقراء لعظم فائدته ومسيس الحاجة إليه في هذه المسألة وغيرها. وهذا نصه:

(وأما المقام الرابع - وهو إفادتها للعلم واليقين - فنقول وبالله التوفيق: الأخبار المقبولة في باب الأمور الخبرية العلمية أربعة أقسام:

أحدها: متواتراً لفظاً ومعنى.

والثاني: أخبار متواترة معنى وإن لم تتواتر بلفظ واحد.

الثالث: أخبار مستفيضة متلقاة بالقبول بين الأمة.

الرابع: أخبار آحاد مروية بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط عن مثله حتى تنتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأما القسمان الأولان: فكالأخبار الواردة في عذاب القبر والشفاعة والحوض ورؤية الرب تعالى وتكليمه عباده يوم القيامة، وأحاديث علوه فوق سماواته على عرشه، وأحاديث إثبات العرش، والأحاديث الواردة في إثبات المعاد والجنة والنار، ونحو ذلك، مما يعلم بالاضطرار أن الرسول جاء بها، كما يعلم بالاضطرار أنه جاء بالتوحيد وفرائض الإسلام وأركانه وجاء بإثبات الصفات للرب تبارك وتعالى، فإنه ما من باب من هذه الأبواب إلا وقد تواتر فيه المعنى المقصود عن النبي صلى الله عليه وسلم تواتراً معنوياً لنقل ذلك عنه بعبارات متنوعة من وجوه متعددة يمتنع في مثلها في العادة التواطؤ والكذب عمداً أو سهواً.

وإذا كانت العادة العامة والخاصة المعهودة من حال سلف الأمة وخلفها تمنع التواطؤ على الاتفاق على الكذب في هذه الأخبار، ويمتنع في العادة وقوع الغلط فيها أفادت العلم اليقين.

ثم للناس في حصول العلم بها طريقان: أحدهما: أنه ضروري. والثاني: أنه نظري.

فأصحاب الضرورة يستدلون بحصول العلم لهم ضرورة على حصول التواتر الموجب له، وأصحاب النظر يعكسون الأمر، ويقولون: نحن نستدل بتواتر المخبرين على إفادة العلم، والطريق الأول أعلى التقديرين، فكل عالم بهذه الأحاديث وطرقها ونقلتها وتعددها يعلم علماً يقيناً لا شك فيه بل يجد نفسه مضطرة إلى ثبوتها أولاً وثبوت مخبرها ثانياً: ولا يمكنه دفع هذين العلمين عن نفسه: العلم الأول: ينشأ من جهة معرفته بطريق الأحاديث وتعددها وتباين طرقها واختلاف مخارجها وامتناع التواطؤ زماناً ومكاناً على وضعها. والعلم الثاني: ينشأ من جهة إيمانه بالرسالة وأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يخبر به. وهذا عند أهل العلم أعظم من علم الأطباء بوجود بقراط وجالينوس، فإنهما من أفاضل الأطباء، وأعظم من علم النحاة بوجود سيبويه والخليل والفراء وعلمهم بالعربية، ولكن أهل الكلام وأتباعهم في الغاية من قلة المعرفة بالحديث وعدم الاعتناء به، وكثير منهم بل أفضلهم عند أصحابه لا يعتقد أنه روي في الباب الذي يتكلم فيه عنه النبي صلى الله عليه وسلم شيء، أو يظن أن المروي فيه حديث أو حديثان، كما يجده لأكابر شيوخ المعتزلة؛ كأبي الحسين البصري، يعتقد أنه ليس في الرؤية إلا حديث واحد وهو حديث جرير، ولم يعلم أن فيها ما يقارب ثلاثين حديثاً. وقد ذكرناها في كتاب صفة الجنة (حادي الأرواح)، فإنكار هؤلاء لما علمه أهل الوراثة النبوية من كلام نبيهم أقبح من إنكار ما هو مشهور من مذاهب الأئمة عند أتباعهم، وما يعلم أن كثيراً من الناس قد تطرق سمعه هذه الأحاديث ولا تفيده علماً؛ لأنه لم تجتمع طرقها وتعددها واختلاف مخارجها في قلبه، فإذا اتفق له إعراض عنها أو نفرة عن روايتها وإحسان ظن بمن قال بخلافها أو تعارض خيال شيطاني يقول بقلبه فهناك يكون الأمر كما قال تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ[3]، فلو كانت أضعاف ذلك لم تحصل لهم إيماناً ولا علماً، وحصول العلم في القلب بموجب التواتر؛ مثل الشبع والري ونحوهما.

وكل واحد من الأخبار يفيد قدراً من العلم، فإذا تعددت الأخبار وقويت أفادت العلم، إما للكثرة وإما للقوة وإما لمجموعهما، كما يحصل الشبع إما بكثرة أو بقوة المأكول وإما لمجموعهما، والعلم بمخبر الخبر لا يكون بمجرد سماع حروفه بل بفهم معناه مع سماع لفظه، فإذا اجتمع في قلب المستمع لهذه الأخبار العلم بطريقها ومعرفة حال رواتها وفهم معناه حصل له العلم الضروري الذي لا يمكنه دفعه، ولهذا كان جميع أئمة الحديث الذين لهم لسان صدق في الأمة قاطعين بمضمون هذه الأحاديث شاهدين بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم جازمين بأن من كذب بها أو أنكر مضمونها فهو كافر.

مع علم من له اطلاع على سيرتهم وأحوالهم بأنهم من أعظم الناس صدقاً وأمانة وديانة وأوفرهم عقولاً وأشدهم تحفظاً وتحرياً للصدق ومجانبة للكذب، وأن أحداً منهم لا يحابي في ذلك أباه ولا ابنه ولا شيخه ولا صديقه، وأنهم حرروا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريراً لم يبلغه أحد سواهم، لا من الناقلين عن الأنبياء ولا عن غير الأنبياء، وهم شاهدوا شيوخهم على هذه الحال وأعظم، وأولئك شاهدوا من فوقهم كذلك وأبلغ حتى انتهى الأمر إلى من أثنى الله عليهم أحسن الثناء وأخبر برضاه عنهم واختياره لهم واتخاذه إياهم شهداء على الأمم يوم القيامة، ومن تأمل ذلك أفاده علماً ضرورياً بما ينقلونه عن نبيهم أعظم من كل علم ينقله كل طائفة عن صاحبه، وهذا أمر وجداني عندهم لا يمكنهم جحده، بل هو بمنزلة ما يحسونه من الألم واللذة والحب والبغض حتى أنهم يشهدون بذلك ويحلفون عليه ويباهلون من خالفهم عليه...) إلى أن قال: (فصل: خبر الواحد بحسب الدليل الدال عليه؛ فتارة يجزم بكذبه لقيام دليل كذبه، وتارة يظن كذبه إذا كان دليل كذبه ظنياً، وتارة يتوقف فيه، فلا يترجح كذبه ولا صدقه، إذا لم يقم دليل أحدهما، وتارة يترجح صدقه ولا يجزم به، وتارة يجزم بصدقه جزماً لا يبقى معه شك، فليس خبر كل واحد يفيد العلم ولا الظن، ولا يجوز أن ينفي عن خبر الواحد مطلقاً أنه يحصل العلم به، فلا وجه لإقامة الدليل على أن خبر الواحد لا يفيد العلم، وإلا اجتمع نقيضان، بل نقول خبر الواحد يفيد العلم في مواضع: أحدها: خبر من قام الدليل القطعي على صدقه، وهو خبر الواحد القهار جل وعلا، وخبر رسوله في كل ما يخبر به.

الثاني: خبر الواحد بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يصدقه كخبر الحبر الذي أخبر بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يضع السماوات على أصبع والأرضين على أصبع والشجر على أصبع فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجباً وتصديقاً له، وكخبر من أخبره أنه رأى السد مثل البرد المحبر فقال: قد رأيته. ومن هذا ترتيبه صلى الله عليه وسلم على خبر المخبر له مقتضاه (كغزوه من أخبره بنقض قوم العهد) وخبر من أخبره عن رجل أن شتمه ونال من عرضه فأمر بقتله، فهذا تصديق للمخبر بالفعل. وقد كان صلى الله عليه وسلم يقطع بصدق أصحابه كما قطع بصدق تميم الداري لما أخبره بقصة الدجال وروى ذلك عنه على المنبر، ولم يقل أخبرني جبريل عن الله بل قال: (حدثني تميم الداري)، ومن له أدنى معرفة بالسنة يرى هذا كثيراً فيما يجزم بصدق أصحابه ويرتب على أخبارهم مقتضاها من المحاربة والمسالمة والقتل والقتال. ونحن نشهد بالله ولله شهادة على البت والقطع لا نمتري فيها ولا نشك على صدقهم ونجزم به جزماً ضرورياً لا يمكننا دفعه عن نفوسنا، ومن هذا أنه كان يجزم بصدقهم فيما يخبرونه به من رؤيا المنام ويجزم لهم بتأويلها ويقول: (إنها رؤيا حق)، وأثنى الله تعالى عليه بذلك في قوله: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ[4]، فأثنى عليه ومدحه بتصديقه لمن أخبره من المؤمنين ومن هذا إخبار الصحابة به بعضهم بعضاً، فإنهم كانوا يجزمون بما يحدّث به أحدهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل أحد منهم لمن حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: خبرك خبر واحد لا يفيد العلم حتى يتواتر، وتوقف من توقف منهم حتى عضده آخر منهم ولا يدل على رد خبر الواحد عن كونه خبر واحد وإنما كان يستثبت أحياناً نادرة جداً إذا استخبر، ولم يكن أحد من الصحابة ولا أهل الإسلام بعدهم يشكون فيما يخبر به أبو بكر الصديق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا عبد الله بن مسعود وأُبي ابن كعب وأبو ذر ومعاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وعبد الله بن عمر وأمثالهم من الصحابة، بل كانوا لا يشكون في خبر أبي هريرة مع تفرده بكثير من الحديث، ولم يقل له أحد منهم يوماً واحداً من الدهر خبرك خبر واحد لا يفيد العلم، وكان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل في صدروهم من أن يقابل بذلك، وكان المخبر لهم أجل في أعينهم وأصدق عندهم من أن يقولوا له مثل ذلك، وكان أحدهم إذا روى لغيره حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصفات تلقاه بالقبول واعتقد تلك الصفة به على القطع واليقين، كما اعتقد رؤية الرب وتكليمه ونداءه يوم القيامة لعباده بالصوت الذي يسمعه البعيد كما يسمع القريب، ونزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة وضحكه وفرحه، وإمساك سماواته على إصبع من أصابع يده وإثبات القدم له، من سمع هذه الأحاديث ممن حدث بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن صاحب اعتقد ثبوت مقتضاها بمجرد سماعها من العدل الصادق، ولم يرتب فيها حتى أنهم ربما ثبتوا في بعض أحاديث الأحكام حتى يستظهروا بآخر، كما استظهر عمر رضي الله عنه برواية أبي سعيد الخدري على خبر أبي موسى. وكما استظهر أبو بكر رضي الله عنه برواية محمد بن مسلمة على رواية المغيرة بن شعبة في توريث الجدة.

ولم يطلب أحد منهم الاستظهار في رواية أحاديث الصفات البتة، بل كانوا أعظم مبادرة إلى قبولها وتصديقها والجزم بمقتضاها وإثبات الصفات بها من المخبر لهم بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن له أدنى إلمام بالسنة والتفات إليها يعلم ذلك، ولولا وضوح الأمر في ذلك لذكرنا أكثر من مائة موضع.

فهذا الذي أعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة، وإجماع التابعين وإجماع أئمة الإسلام، ووافقوا به المعتزلة والجهمية والرافضة والخوارج الذين انتهكوا هذه الحرمة، وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء، وإلا فلا يعرف لهم سلف من الأئمة بذلك، بل صرح الأئمة بخلاف قولهم، فممن نص على أن خبر الواحد يفيد العلم: مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وداود بن علي وأصحابه كأبي محمد ابن حزم، ونص عليه الحسين بن علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحاسبي. قال ابن خويز منداد في كتاب أصول الفقه: وقد ذكر خبر الواحد الذي لم يروه إلا الواحد والاثنان.

ويقع بهذا الضرب أيضاً العلم الضروري، نص على ذلك مالك، وقال أحمد في حديث الرؤية: نعلم أنها حق ونقطع على العلم بها. وكذلك روى المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: هاهنا اثنان يقولون: إن الخبر يوجب عملاً ولا يوجب علماً. فعابه وقال: لا أدري ما هذا. وقال القاضي: وظاهر هذا أنه يسوي بين العلم والعمل. وقال القاضي في أول المجرد: خبر الواحد يوجب العلم إذا صح سنده ولم تختلف الرواية فيه وتلقته الأمة بالقبول. وأصحابنا يطلقون القول فيه وأنه يوجب العلم وإن لم نتلقه بالقبول. قال: والمذهب على ما حكيت لا غيره. إلى أن قال: وصرحت الحنفية في كتبهم بأن الخبر المستفيض يوجب العلم، ومثلوه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا وصية لوارث) قالوا: مع أنه إنما روي من طريق الآحاد، قالوا: ونحوه حديث ابن مسعود في المتبايعين إذا اختلفا أن القول قول البائع أو يترادان. قالوا: ونحوه حديث عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوسي.

قالوا: وكذلك حديث المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في إعطاء الجدة السدس، قد اتفق السلف والخلف على استعمال حكم هذه الأخبار حين سمعوها، فدل ذلك من أمرها على صحة مخرجها وسلامتها، وإن كان قد خالف فيها قوم فإنهم عندنا شذوذ ولا يعتد بهم في الإجماع. قال: وإنما قلنا: ما كان هذا سبيله من الأخبار فإنه يوجب العلم بصحة مخبره من قبل أنا إذا وجدنا السلف قد اتفقوا على قبول خبر هذا وصفه من غير تثبت فيه ولا معارضة بالأصول أو بخبر مثله مع علمنا بمذاهبهم في قبول الأخبار والنظر فيها وعرضها على الأصول، دلنا ذلك من أمورهم على أنهم لم يعبروا إلى حكمه إلا من حيث ثبت عندهم صحته واستقامته، فأوجب لنا العلم بصحته. هذا لفظ أبي بكر الرازي في كتابه أصول الفقه.

ومن المعلوم لكل ذي حس سليم وعقل مستقيم استفاضة أحاديث الرؤية والنداء والنزول والتكليم وغيرها من الصفات وتلقي الأمة لها بالقبول أعظم بكثير من استفاضة حديث اختلاف المتبايعين وحديث لا وصية لوارث وحديث فرض الجدة، بل لا نسبة بين استفاضة أحاديث الصفات واستفاضة هذه الأحاديث. فهل يسوغ لعاقل أن يقول: إن هذه توجب العلم وتلك لا توجبه، إلا أن يكون مباهتاً. وقد صرح الشافعي في كتبه بأن خبر الواحد يفيد العلم، نص على ذلك صريحاً في كتاب: (اختلاف مالك)، ونصره في الرسالة المصرية على أنه لا يوجب العلم الذي يوجبه نص الكتاب والخبر المتواتر.

إلى أن قال: وأما القسم الثاني من الأخبار: فهو ما لا يرويه إلا الواحد العدل ونحوه، ولم يتواتر لفظه ولا معناه، ولكن تلقته الأمة بالقبول عملاً به أو تصديقاً له كخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إنما الأعمال بالنيات)، وخبر ابن عمر رضي الله عنهما: (نهى عن بيع الولاء وهبته)، وخبر أنس رضي الله عنه: (دخل مكة وعلى رأسه المغفر)، وكخبر أبي هريرة رضي الله عنه: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها)، وكقوله: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، وقوله: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل)، وقوله في المطلقة ثلاثاً: (حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك)، وقوله: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، وقوله: (إنما الولاء لمن أعتق)، وقوله يعني ابن عمر: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر في رمضان على الصغير والكبير والذكر والأنثى) وأمثال ذلك. فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد صلى الله عليه وسلم الأولين والآخرين.

أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع. وأما الخلف فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة. والمسألة منقولة في كتب الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، مثل: السرخسي وأبي بكر الرازي من الحنفية، والشيخ أبي حامد وأبي الطيب والشيخ أبي إسحاق من الشافعية، وابن خويز منداد وغيره من المالكية، ومثل القاضي أبي يعلى وابن أبي موسى وأبي الخطاب وغيرهم من الحنبلية، ومثل أبي إسحاق الإسفرائيني وابن فورك وأبي إسحاق النظام من المتكلمين.

وإنما نازع في ذلك طائفة كابن الباقلاني ومن تبعه مثل أبي المعالي والغزالي وابن عقيل.

وقد ذكر أبو عمرو ابن الصلاح القول الأول وصححه واختاره، ولكنه لم يعلم كثرة القائلين به ليتقوى بهم. وإنما قاله بموجب الحجة الصحيحة. وظن من اعترض عليه من المشايخ الذين لهم علم ودين وليس لهم بهذا الباب خبرة تامة أن هذا الذي قاله الشيخ أبو عمرو انفرد به عن الجمهور، وعذرهم أنهم يرجعون في هذه المسائل إلى ما يجدونه من كلام ابن الحاجب، وإن ارتفعوا درجة صعدوا إلى السيف الآمدي وإلى ابن الخطيب، فإن علا سندهم صعدوا إلى الغزالي والجويني والباقلاني، قال: وجميع أهل الحديث على ما ذكره الشيخ أبو عمرو.

والحجة على قول الجمهور أن تلقى الأمة للخبر تصديقاً وعملاً إجماع منهم، والأمة لا تجتمع على ضلالة، كما لو اجتمعت على موجب عموم أو مطلق أو اسم حقيقة أو على موجب قياس فإنها لا تجتمع على خطأ وإن كان الواحد منهم لو جرد النظر إليه لم يؤمن عليه الخطأ، فإن العصمة تثبت بالنسبة الإجماعية، كما أن خبر التواتر يجوز الخطأ والكذب على واحد واحد من المخبرين بمفرده، ولا يجوز على المجموع، والأمة معصومة من الخطأ في روايتها ورأيها ورؤياها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أرى رؤياكم تواطأت على أنها في العشر الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) فجعل تواطؤ الرؤيا دليلاً على صحتها.

والأحاديث في هذا الباب قد تكون ظنوناً بشروطها فإذا قويت صارت علوماً وإذا ضعفت صارت أوهاماً وخيالات فاسدة. وقال: وأيضاً فلا يجوز أن يكون في نفي الأمر كذباً على الله ورسوله وليس في الأمة من ينكره إذ هو خلاف ما وصفهم الله تعالى به) انتهى المقصود.

وقد بسط العلامة ابن القيم رحمه الله الكلام في هذه المسألة لعظم شأنها ونرجو أن يكون فيما نقلناه من ذلك الكفاية والإقناع لطالب الحق ومن أراد المزيد في ذلك فليراجع هذا الكتاب؛ أعني: الصواعق المرسلة، يجد ما يشفي ويكفي، والله المستعان.

وأما قول الكاتب: إن الأمر بالشيء لا يقتضي تحريم مخالفته لأمور منها: أن المختار عند الحنفية أن الأمر بالشيء لا يقتضي تحريم ضده فجوابه أن يقال: ليس الأمر كما ذكره، بل الصواب أن الأمر بالشيء إذا ورد مجرداً عما يدل على إرادة الندب فإنه دال على وجوب الامتثال وعلى تحريم المخالفة ما لم يوجد دليل آخر يدل على أن الأمر للندب لا الوجوب، وهذا هو قول جمهور العلماء من الحنفية وغيرهم، وهو مقتضى الأدلة الشرعية، كما سنبين ذلك قريباً إن شاء الله.

وقد صرح أهل العلم رحمهم الله بما ذكرنا؛ قال الإمام أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي أحد أئمة الحنفية المتوفى سنة 490هـ رحمه الله في كتابه في الأصول في مباحث الأمر ما نصه: (فأما الكلام في موجب الأمر فالمذهب عند جمهور الفقهاء أن موجب مطلقه الإلزام إلا بدليل) انتهى.

وقال الشيخ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة صاحب المغني المتوفى سنة 620هـ رحمه الله في كتابه (روضة الناظر) في مباحث الأمر ما نصه: (مسألة: إذا ورد الأمر متجرداً عن القرائن اقتضى الوجوب في قول الفقهاء وبعض المتكلمين. وقال بعضهم: يقتضي الإباحة؛ لأنها أدنى الدرجات، فهي مستيقنة، فيجب حمله على اليقين. وقال بعض المعتزلة: يقتضي الندب؛ لأنه لا بد من تنزيل الأمر على أقل ما يشترك فيه الوجوب والندب، وهو طلب الفعل واقتضاؤه وأن فعله خير من تركه، وهذا معلوم. أما لزوم العقاب بتركه فغير معلوم فيتوقف فيه؛ ولأن الأمر طلب والطلب يدل على حسن المطلوب لا غير، والمندوب حسن فيصح طلبه، وما زاد على ذلك درجة لا يدل عليها مطلق الأمر، ولا يلزمه منه؛ ولأن الشارع أمر بالمندوبات والواجبات معاً، فعند وروده يحتمل الأمرين معاً فيحمل على اليقين. وقال الواقفية: هو على الوقف حتى يرد الدليل ببيانه؛ لأن كونه موضوعاً لأحد هذه الأقسام إما أن يعلم بنقل أو عقل ولم يوجد أحدهما فيجب التوقف فيه، ولنا ظواهر الكتاب والسنة والإجماع وقول أهل اللسان.

أما الكتاب فقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[5]، حذر الفتنة والعذاب والأليم في مخالفة الأمر، فلولا أنه مقتض للوجوب ما لحقه ذلك، وأيضاً قول الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ[6]، وقوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ[7]، ذمهم على ترك امتثال الأمر، والواجب ما لم يذم بتركه.

ومن السنة ما روى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة فردوا عليه القول فغضب، ثم انطلق حتى دخل على عائشة غضبان، فقالت: (من أغضبك أغضبه الله، فقال: وما لي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أتبع)، فإن قيل: هذا في أمر اقترن به ما دل على الوجوب، قلنا: النبي صلى الله عليه وسلم إنما علل غضبه بتركهم اتباع أمره، ولولا أن أمره للوجوب لما غضب من تركه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، والندب غير شاق، فدل على أن أمره اقتضى الوجوب، وقوله عليه السلام لبريرة: (لو راجعتيه، فقالت: أتأمرني يا رسول الله؟ قال: إنما أنا شافع، فقالت: لا حاجة لي فيه) وإجابة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم مندوب إليها فدلنا ذلك على أن أمره للإيجاب.

الثالث: إجماع الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم أجمعوا على وجوب طاعة الله تعالى وامتثال أوامره من غير سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عما عنى بأوامره، وأوجبوا أخذ الجزية من المجوس بقوله: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب)، وغسل الإناء من الولوغ بقوله: (فيلغسله سبعاً) والصلاة عند ذكرها بقوله: (فليصلها إذا ذكرها) واستدل أبو بكر رضي الله عنه على إيجاب الزكاة بقوله تعالى: وءاتوا الزكاة[8]، ونظائر ذلك مما لا يخفى يدل على إجماعهم على اعتقاد الوجوب.

الرابع: أن أهل اللغة عقلوا من إطلاق الأمر الوجوب؛ لأن السيد لو أمر عبده فخالفه حسن عندهم لومه وتوبيخه، وحسن العذر في عقوبته بمخالفة الأمر، والواجب ما يعاقب بتركه أو يذم بتركه. فإن قيل: إنما لزمت العقوبة؛ لأن الشريعة أوجبت ذلك؛ قلنا: إنما أوجبت طاعته إذا أتى السيد بما يقتضي الإيجاب، ولو أذن له في الفعل أو حرمه عليه لم يجب عليه؛ ولأن مخالفة الأمر معصية، قال الله تعالى: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ[9] وقال: أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي[10]، ويقال: أمرتك فعصيتني.

وقال الشاعر: أمرتك أمراً جازماً فعصيتني

والمعصية موجبة للعقوبة قال الله تعالى: وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا[11]) انتهى.

وقال العلامة أبو الحسن الآمدي المتوفى سنة 631هـ رحمه الله في كتابه: (الإحكام في أصول الأحكام) لما ذكر اختلاف الناس في مقتضى الأمر ما نصه: ومنهم من قال: (إنه حقيقة في الوجوب مجاز فيما عداه، وهذا هو مذهب الشافعي رضي الله عنه والفقهاء وجماعة من المتكلمين كأبي الحسين البصري وهو قول الجبَّائي في أحد قوليه) انتهى المقصود.

وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة 1250هـ رحمه الله في كتابه: (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول) في مباحث الأمر ما نصه:(الفصل الثالث: اختلف أهل العلم في صيغة "افعل"، هل هي حقيقة في الوجوب أو فيه مع غيره؟ فذهب الجمهور إلى أنها حقيقة في الوجوب فقط، وصححه ابن الحاجب والبيضاوي، قال الرازي: وهو الحق، وذكر الجويني أنه مذهب الشافعي. قيل: وهو الذي أملاه الأشعري على أصحابه) انتهى المقصود.

وهذا قليل من كثير من كلام علماء الأصول في بيان أن الأمر عند الإطلاق يقتضي الوجوب عند أكثر العلماء، ولا يجوز صرفه عن الوجوب إلا بدليل يدل عليه.

وقد دل على صحة ما ذهب إليه الجمهور أدلة كثيرة منها: أن الله سبحانه وعد أهل الطاعة الفوز بالجنة والكرامة، ووعد أهل المعصية بسوء المصير، وهكذا رسوله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى في سورة النساء: وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ[12]، وقال في سورة الأحزاب: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا[13]، وقال تعالى في سورة الفتح: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا[14]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي يدخلون إلا من أبى) قيل: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: (من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) رواه البخاري في صحيحه[15]، فلو كان امتثال أمر الله ورسوله غير واجب إلا بدليل آخر يدل على الوجوب لم يستحق العاصي هذا الوعيد الشديد؛ لأنه معذور إذا لم يكن في النص ما يدل على أن الأمر مقصود به الوجوب.

ومن تأمل كلام سلف الأمة وأئمتها في مقام الاحتجاج علم يقيناً أنهم يحملون أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عند الإطلاق على الوجوب، ويعيبون على من خالف ذلك إذا لم يكن معه دليل على صرف الأمر عن ظاهره إلى غيره.

ومن الأدلة الدالة على أن الأمر للوجوب ما لم يوجد دليل يدل على خلاف ذلك أن الله سبحانه وتعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس غضب عليه ولعنه وطرده من رحمته بسبب عصيانه الأمر المجرد وهو قوله سبحانه: اسجدوا لآدم[16]، وقال تعالى موبخاً لإبليس على تخلفه عن الطاعة: مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ[17]، فدل ذلك على أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب كما يقتضي ذم المخالف وتوبيخه والغضب عليه.

ومن الأدلة على ذلك أيضاً قوله سبحانه في سورة المرسلات: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ[18]، فذمهم بذلك على مخالفة الأمر وهو قوله: اركعوا.

ومن ذلك أيضاً قوله عز وجل: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[19]، فتوعد من خالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يُصاب بالفتنة أو العذاب الأليم، فلو كان امتثال الأمر المجرد غير واجب لم يستحق المخالف له هذا الوعيد. والأدلة في هذا الباب كثيرة لمن تدبر الكتاب والسنة طالباً للحق مؤثراً له.[20]

وبما ذكرناه من الأدلة وكلام أهل العلم يُعلم بطلان قول من قال: إن الأمر عند الإطلاق لا يدل على الوجوب، وهو الذي اعتمده الكاتب في مقاله المذكور ورجح به قوله بعدم وجوب إعفاء اللحى، وهو قول ظاهر الفساد لمن تأمل الأدلة، والله ولي التوفيق.

وأما قوله في تبرير ما ذهب إليه من عدم اقتضاء الأمر الوجوب في قوله صلى الله عليه وسلم: (قصوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المشركين) متفق على صحته، وقوله صلى الله عليه وسلم: (جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس) خرجه مسلم في صحيحه ما نصه: ومنها أن الأمر بالشيء إذا اقترن به علة معقولة المعنى - وهي أن الشارع لم يطلبه لذاته بل لمقصد آخر مقترن به عند صدور الأمر إذا انفك عنه هذا المقصد - لم يفد الأمر الوجوب، والأمر بالإعفاء والإحفاء المقصود به مخالفة المجوس. انتهى

فجوابه أن يقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد علل قص الشوارب وإعفاء اللحى بعلتين: إحداهما: أن ذلك من الفطرة، كما في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عشر من الفطرة)[21]، فذكر منها (قص الشارب وإعفاء اللحية).

والعلة الثانية: أن إطالة الشوارب وحلق اللحى فيهما مشابهة للمجوس والمشركين، وهذه العلة لم تنفك عن الأمر بل لا تزال معتبرة إلى يوم القيامة؛ لأن الشارع عليه الصلاة والسلام أمر أمراً مطلقاً. بمخالفة المشركين في زيهم وأخلاقهم وشعائر دينهم، ولم يحدد ذلك بزمن معلوم ولم يجعل له نهاية معلومة، فوجب أن يكون ذلك أمراً مطلوباً من المسلمين إلى يوم القيامة.

والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصى؛ منها ما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو سلكوا جحر ضبٍ لسلكتموه) قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: (فمن)[22].

ومنها ما خرجه الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تشبه بقومٍ فهو منهم)[23] والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة كتاباً جليلاً عظيم الفائدة سماه: (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم)، وذكر فيه من الآيات والأحاديث والآثار وكلام أهل العلم ما يدل على أن الشرع المطهر جاء بالنهي عن مشابهة الكفار والأمر بمخالفتهم. فلنذكر من كلامه رحمه الله ما يبين لمن يطلع على هذه الكلمة ما في مشابهة الكفار في حلق اللحى وإطالة الشوارب وغير ذلك من صنوف المشابهة من الفساد الكبير والعواقب الوخيمة.

قال رحمه الله في الكتاب المذكور ما نصه:

(الوجه الثامن من الاعتبار: أن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر ي