من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم وفقه الله لما فيه رضاه آمين..

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أما بعد:

كتابكم الكريم المؤرخ 21/10/1397 هـ وصل وصلكم الله بهداه، وأفيدكم أني لم أطلع على كتابكم السابق الذي أشرتم إليه، بل سلم لمندوبكم قبل أن أطلع عليه، وقد كان فضيلة مدير مكتبي أخبرني به وذكر أنه مطول، فأجلت قراءته إلى وقت مناسب خارج المكتب، فطلبتموه قبل ذلك، فأمرت بتسليمه لمندوبكم.. وقد اطلعت على ما نشرته صحيفة السياسة الكويتية، فألفيتها قد ذكرت ما أشرتم إليه من زعمها أن مدير الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة كفر من قال بهبوط الإنسان على سطح القمر، أو قال: إن الأرض كروية، أو أنها تدور، وهذا تنقله السياسة عن البيان الذي أصدره كتاب وأدباء التجمع التقدمي في مصر.

ولا شك أنهم يقصدون بمدير الجامعة شخصي؛ لأني أنا الذي كتبت في الموضوع حينما أذيع خبر النزول على سطح القمر وكنت ذلك الوقت رئيس الجامعة، ولا شك أن الأمر كما أشرتم إليه من جهة وجود المفترين على العلماء وغيرهم، كما يوجد من ينقل الأخبار على غير وجهها كما قيل: وما آفة الأخبار إلا رواتها، ومقالكم الذي نشر في المجلة الأمريكية ونقلت بعضه مجلة الاعتصام هو من هذا الباب، وكنت كلمت جلالة الملك خالد في الموضوع بحضرة المشايخ؛ لأن المقال خطير فأردت من ذلك أن يطلع على الواقع ويوعز إليكم أن تكذبوه إن كان كذباً؛ لأن أعداء الله قد يكذبون عليكم وعلى غيركم، أو تتوبوا منه حتى يعلم ذلك كل من اطلع على المقال وغيرهم، وبذلك ينتهي الأمر ويتضح الحق، وليس في هذا الإجراء غرابة؛ لأن المنكر العظيم إذا ظهر وجب أن ينكر ظاهراً حتى لا يغتر به أحد، وحتى لا يلتبس أمره على بعض الناس.

ومن هذا الباب قصة حاطب بن أبي بلتعة الصحابي المشهور أحد المهاجرين لما كتب إلى قريش يخبرهم بعزم النبي صلى الله عليه وسلم على غزوهم عام ثمان من الهجرة، فأخبر الله نبيه بذلك، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود رضي الله عنهم، إلى المرأة التي تحمل الكتاب وقال: تجدونها في روضة خاخ فذهبوا وأدركوها وأخذوا الكتاب منها وسلموه للنبي صلى الله عليه وسلم فأحضره النبي صلى الله عليه وسلم وسأله بحضرة الناس عما حمله على الكتاب فأجاب بما لا يخفى على مثلكم، وقال عمر في ذلك قوله المشهور وهو طلب قتله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه قد شهد بدراً)... الحديث.

وليس أحد منا معصوماً وإنما العصمة لله ولرسله فيما يبلغونه عنه سبحانه، والمؤمن يبتلى ويمتحن بالغلط منه وبالكذب عليه وبغير ذلك، والواجب عليه عند ذلك تكذيب الكذب والتوبة مما زل به لسانه أو قلمه أو غير ذلك من جوارحه.

وقد اطلعت على ما كتبتم في صحيفة "المدينة" من التكذيب، وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم للفقه في دينه والثبات عليه والنصح لله ولعباده، كما أسأله سبحانه أن يمن علينا جميعا بالتوبة النصوح من جميع ذنوبنا وتقصيرنا، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا إنه سميع قريب.

أما ما نشرته عني مجلة " السياسة " نقلا عن البيان الذي كتبه كتاب وأدباء التجمع التقدمي في مصر من إنكاري هبوط الإنسان على سطح القمر وتكفير من قال بذلك، أو قال إن الأرض كروية، أو تدور، فهو كذب بحت لا أساس له من الصحة، وقد يكون الناقل لم يتعمد الكذب ولكن لم يتثبت في النقل، ومقالي مطبوع ومنشور وقد أوضحت فيه الرد على من أنكر هبوط الإنسان على سطح القمر، أو كفر من صدق بذلك، وبينت أن الواجب على من لا علم لديه التوقف وعدم التصديق والتكذيب حتى يحصل له من المعلومات ما يقتضي ذلك.

كما أني قد أثبت في المقال فيما نقلته عن العلامة ابن القيم رحمه الله ما يدل على إثبات كروية الأرض، أما دورانها فقد أنكرته وبينت الأدلة على بطلانه ولكني لم أكفر من قال به، وإنما كفرت من قال إن الشمس ثابتة غير جارية؛ لأن هذا القول مصادم لصريح القرآن الكريم والسنة المطهرة الصحيحة الدالين على أن الشمس والقمر يجريان، وإليكم نسخة من المقالات الثلاث الصادرة مني في هذه المسائل، وسأكتب إن شاء الله كلمة للسياسة أوضح فيها بطلان ما نقلته صحيفة السياسة عن البيان المشار إليه فيما يتعلق بالمسائل الأربع المذكورة وسأنشره في غيرها من الصحف إن شاء الله ليعلم القراء غلط أو كذب أصحاب البيان المذكور فيما نقلوه عني... والله المسئول بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرينا وإياكم وسائر إخواننا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، إنه جواد كريم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرئيس العام لإدارات البحوث العامة والإفتاء والدعوة والإرشاد