الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

فإني لما قرأت هذه القصيدة السديدة التي أنشأها الفهم الأديب واللوذعي الأريب، الشاب الفاضل راشد بن صالح بن خنين زاده الله علما وفهما وجدتها قد وافقت الحق الذي يجب اعتقاده في هذا الباب، وزيفت كثيراً من أضاليل هذا الزائغ المرتاب.

فإن هذا الضال القصيمي قد أكثر في كتابه[1] من أنواع الضلال والكفر والإلحاد، ليضل بها الناس عن الحق والهدى، ويدعوهم بها إلى نبذ الدين وسلوك مسلك أعداء الله الكافرين في حب الدنيا وإيثارها على الآخرة، وطلبها بكل طريق أوصل إليها سواء أباحه الشرع أو حظره، ومن أكبر الأضاليل والمنكرات التي سطر في كتابه زعمه في صفحة 315 منه، أن الإيمان بالله وقدرته التامة على كل شيء مشكلة لم تحل، وقوله في صفحة 326 منه: (إن البشر عاجزون فيما يبدو لنا حتى اليوم عن أخذه - أي الدين - وفهمه وتصوره على وجهه النافع المفيد، بل هم إما أن يبقوا غير متدينين أو متدينين تدينا باطلا، كما أثبت هذا جملة تاريخ الإنسان، ولا بد من استثناء فترات أو ومضات قليلة خافتة...) إلى أن قال: (والدين هو أحد هذه الأمور الجميلة التي عجز الناس عن تصورها تصوراً صحيحاً؛ لأنها جاءت قبل استيفاء استعدادهم الموقوت، فراحوا ضحايا هذا التصور الباطل...) إلى أن قال في صفحة 328: (ولكن ثبت أن البشرية عاجزة إلا فيما ندر عن فهمه على وجهه الصحيح، هذه هي المشكلة التي لم تحل).

فهذا الكلام لا يصدر إلا من شخص عدو لله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكافر بأن القرآن حق ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم حق؛ لأن القرآن والسنة قد بينا حقيقة الإيمان بالله، وحقيقة الدين الحق أعظم بيان، وصار ذلك عند المؤمنين بالله حقاً أوضح من الشمس في رابعة النهار.

وقد فهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن تبعهم بإحسان حقيقة الإيمان وحقيقة الدين الحق، ودرجوا عليه ودعوا إليه، وجاءت الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم مبشرة بأنه لا تزال طائفة من الأمة على الحق منصورة ظاهرة إلى قيام الساعة، وفي بعضها: (حتى يأتي أمر الله)[2]؛ فكيف يكون الدين والحالة هذه لم يفهم إلا من ومضات أو فترات قليلة خافتة؟ وكيف يكون البشر عاجزين عن فهمه وتصوره تصوراً صحيحاً مع وضوحه وظهور أدلته؟ وكيف يجوز نسبة الله سبحانه إلى أنه كلف البشر ما لا يستطيعون فهمه، وأمرهم بشرائع قبل استعدادهم لها، فراحوا ضحايا هذا التصور الباطل؟

هذا الكلام في غاية الكفر والضلال والإلحاد، فقاتل الله هذا الرجل الخبيث، ما أعظم جرأته على الله ودينه، وما أشد تلبيسه وأبعده عن الهدى. ومقصده من هذا الكلام دعوة الناس إلى نبذ الدين جملة؛ لأنهم إذا سمعوا أنهم عاجزون عن تصوره تصوراً صحيحاً، وأنهم إن أخذوه أخذوه على غير وجهه فكان ضاراً لهم كرهوه ورفضوه واعتنقوا سواه، لا سيما إن عرفوا أن هذا المفتون الخبيث قد كان قبل هذا يظهر الدعوة إلى الدين الحق ويرد على من خالفه، وإنما يغتر بمثل هذا ضعفاء البصائر، وأما من له أدنى مسكة من عقل صحيح، وعلم نافع صحيح، فإنه لا يغتر بمثل هذا الزائغ وأضاليله، للعلم بأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ولوضح خطئه وزيغه. نسأل الله العافية والثبات على دينه.

ومن جملة أضاليل هذا الزائغ المفتون قوله في صفحة 29: (إن الدعاء أضعف وسيلة يلقى بها عدو عدوه، بل إنه ليس بوسيلة، وليس له من فائدة سوى أنه يقوم بعملية تعويض وتصريف خبيثة ضارة)، وقوله في صفحة 180: (كانت الخطب أيام الجمعات إحدى النكبات، وذلك أنها لتكررها كل أسبوع استطاعت أن تجعل تخديرهاً مستمرا مضموناً متجدداً، يعني بذلك تحذيرها عن الانهماك في طلب الدنيا والتنافس فيها.... إلى أن قال: لأنها لتكررها لا تترك فرصة لانطلاق معنى طيب من معاني الإنسان.... إلى أن قال في صفحة 182: ولكن هذا الاجتماع الأسبوعي مفروض فرضاً، وهذه الخطب مفروضة على هذا الاجتماع فرضاً أيضاً، فأين النجاة، وكيف الفرار؟)..

فانظر أيها القارئ هذا الكلام وتأمل: هل مثله يصدر من مسلم يعقل ما يقول؟ لا والله، لا والله، إنما يصدر من شخص قد مُلئ قلبه من بغض الأديان، ومعاداة حزب الرحمن؛ لأن من ذم ما شرعه الله، وزعم أنه نكبة على العباد، وعملية مضرة لا شك في كفره وبغضه للحق وأهله. وقد دل على أن مثل هذا كفر قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ[3]، وفي كتاب هذا المفتري الملحد من الترهات والأضاليل غير ما ذكرنا كثير، قد أشار الناظم إلى جملة منها، وبين خطأه فيها. جزاه الله خيرا، وجعلنا وإياه وجميع إخواننا من أنصار الحق ودعاة الهدى.

وبالجملة فمن تأمل كتاب هذا الزائغ المفتون من أوله إلى آخره، عرف أنه لا يدين إلا بعبادة الطبيعة، ولا يدعو في كتابه إلا إلى عبادتها. وأما الإله الحق الذي يميت ويحيي، ويسعد ويشقي ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فلا يؤمن به ولا يدعو إلى عبادته.

كما يدل على ذلك كلامه في مبحث القضاء والقدر، والأسباب والمشكلة التي لم تحل، وفي مواضع كثيرة من كتابه ومن عظيم إلحاده ودعوته إلى عبادة الطبيعة قوله في صفحة 158 في وصف النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد بدأ رسالته بالخلوة بالطبيعة، وبمناجاتها فوق غار حراء، وختمها بمناجاتها أيضاً وهو في حجرة عائشة، بينما كان يجود بأنفاسه فلقد كان في تلك الساعة شاخصا ببصره إلى السماء لا يحوله عنها هول ولا أهل، ويقول: اللهم في الرفيق الأعلى)، فنسبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى مناجاة الطبيعة كذب ظاهر وكفر واضح، ومخالفة لما فهمه المؤمنون من هذا الحديث الشريف، وقد أقذع هذا الضال في ذم الدين والسلف الصالحين، وحذر من سلوك سبيلهم، وحرف آيات كثيرة وأحاديث ليقودها إلى مذهبه الباطل، ورد أحاديث أخرى صحيحة لما لم توافقه على مذهبه العاطل، وأكثر من التلبيس والتدليس والخداع ليغير بذلك دين من لا بصيرة له بالدين الحق، وشابه في ذلك إخوانه من اليهود والمنافقين فنسأل الله الثبات على دينه، ونعوذ به من زيغ القلوب ورين الذنوب، وأساله أن يمن على هذا الضال بالهداية والرجوع إلى الحق والتوبة النصوح، وأن يعيذنا والمسلمين مما ابتلاه به، إنه سميع الدعاء قريب الإجابة.

ولقصد تأييد ما دلت عليه هذه القصيدة من الحق وتزييف أباطيل هذا المارق والتحذير من خطئه لئلا يغتر به حررت هذه الأحرف، وأنا الفقير إلى الله تعالى عبد العزيز بن عبد الله بن باز، قاضي الخرج سامحني الله وغفر لي ولوالدي ومشايخي وجميع المسلمين.

وصلى الله على محمد عبد الله ورسوله وعلى آله وصحبه وسلم سنة 1366 هـ.