الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فقد اطلعت على ما نشرته مجلة الرابطة في عددها المذكور الصادر في شهر جمادى الآخرة من هذا العام من الأبيات المنسوبة إلى محمد المذكور، نسأل الله لنا وله الهداية، وقد اشتملت على كلمات شركية وجب علي التنبيه عليها لئلا يغتر بها أحد من الناس وهي قوله:

فاسأل الرحمن واشفع كي ينال العبد عتقا

وقوله:

فامنح الأحباب قربا فامتداد البعد شقا

ففي هذين البيتين يسأل الشاعر من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء والشفاعة، وأن يمنح الأحباب قرباً، ومعلوم أن الأنبياء وغيرهم لا يسألون بعد الموت شيئاً، بل سؤالهم ودعاؤهم من الشرك الأكبر، وإنما يكون الطلب من الله عز وجل، فيطلب المؤمن من الله سبحانه أن يشفع فيه نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يمنحه القرب لديه وحسن الختام، وغير ذلك مما يحتاجه العبد من أمور الدنيا والآخرة، أما الأموات والغائبون والجمادات فلا يجوز سؤالهم شيئا؛ لأن الله سبحانه يقول: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا[1]، ويقول سبحانه: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا[2]، ويقول سبحانه: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ[3]، وكل من دعا ميتا أو غائبا أو جمادا فقد اتخذه إلها مع الله، كما كان عباد الأصنام من كفار قريش وغيرهم يعبدون الأصنام والأشجار واللات والعزى ومناة، ويسألونها ويتبركون بها، فأنكر الله عليهم ذلك، وحكم عليهم بالكفر في هذه الآية الكريمة، وبالشرك في قوله سبحانه: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ[4]، فأوضح سبحانه أن عملهم شرك ونزه نفسه عن ذلك وقال سبحانه: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ[5]، أخبر الله سبحانه في هذه الآية من سورة الزمر أن المشركين يقولون عن آلهتهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، ثم إنهم بهذه العبادة وبهذا القول كذبة كفار، فهي لا تقربهم إلى الله بل تبعدهم منه، وهم بذلك كفار، فيعلم بذلك أنهم لم يعبدوهم لأنهم يتصرفون في الكون، أو لأنهم يخلقون أو يرزقون.

فالمشركون من قريش وغيرهم يعلمون أن ذلك لله وحده، وإنما عبدوهم بالدعاء والذبح والنذر والتبرك ليشفعوا لهم عند الله وليقربوهم لديه؛ كما دلت على ذلك الآية الأولى من سورة يونس وهي قوله سبحانه: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ[6]، والآية الثانية من سورة الزمر، وقال سبحانه في سورة فاطر: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ[7]؛ فأوضح سبحانه أن المشركين من الأموات والأصنام والأشجار والأحجار والكواكب وغيرها لا يسمعون دعاء داعيهم ولو سمعوا ما استجابوا له، وأنهم يوم القيامة يكفرون بشركهم، وإنما قد تحصل لهم بعض مطالبهم عند الأصنام بواسطة الشياطين التي تضلهم وتقضي بعض حوائجهم حتى يظنوا أن ذلك من أصنامهم وآلهتهم، ومن هذا قوله تعالى في سورة سبأ: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ[8]، والآيات في هذا المعنى كثيرة وكلها تدل على أن دعاء الأموات والغائبين من الملائكة وغيرهم والأشجار والأحجار والكواكب وسائر الجمادات كله شرك بالله عز وجل، وإن كان قصد الداعي من دعائه إياها أن تشفع له وأن تقربه إلى الله؛ لأن هذا هو قصد المشركين الأولين وقد كفرهم الله بذلك، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن يقاتلوهم حتى يدعوا هذا الشرك ويخلصوا لله العبادة كما قال في سورة الأنفال: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ[9].

وقد أخبر الله سبحانه في مواضع كثيرة من كتابه أن المشركين يقرون بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر للكون، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام حتى يخلصوا العبادة لله وحده، كما قال الله سبحانه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[10]، وقال عز وجل: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ[11]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا)[12] متفق على صحته من حديث معاذ رضي الله عنه. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ فقال: (أن تجعل لله ندا وهو خلقك) قلت يا رسول الله ثم أي؟ قال: (أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) قلت ثم أي؟ قال: (أن تزاني بحليلة جارك)[13]، فأنزل الله في ذلك قوله سبحانه: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا[14]، وفي صحيح مسلم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لعن الله من ذبح لغير الله)[15]، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، والشفاعة والدعاء إنما يطلبان من الحي الحاضر القادر كما كان الصحابة رضي الله عنهم يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لهم لدى ربهم عز وجل، وأن يدعو لهم وأن يستسقي لهم عند الجدب، وأن يستغيث لهم فاستغاث لهم فأمطروا، وكما سأله رجل أعمى أن يشفع له أن يرد الله عليه بصره فشفع له صلى الله عليه وسلم ودعا له حال حياته صلى الله عليه وسلم، وهكذا في يوم القيامة يسأله أهل الموقف أن يشفع لهم إلى الله سبحانه حتى يقضي بينهم فيجيبهم إلى ذلك بعد إذن الله له في ذلك؛ لأنه حي موجود بينهم، وهكذا يسأله المؤمنون أن يشفع لهم في دخول الجنة فيشفع لهم بعد إذن الله سبحانه له في ذلك، وهكذا يشفع عليه الصلاة والسلام يوم القيامة لكثير من عصاة المسلمين الذين دخلوا النار بمعاصيهم بعد إذن الله له في ذلك، فيخرجهم الله من النار بشفاعته.

أما بعد الموت وقبل البعث والنشور فلا يجوز سؤاله الشفاعة ولا غيرها، ولا يجوز سؤال غيره ذلك من الأنبياء ولا غيرهم من الأموات والغائبين والجمادات كما تقدم بيان ذلك.

أما الحي الحاضر القادر فلا بأس أن يسأل ما يقدر عليه مما يجيزه الشرع المطهر، كما أخبر الله سبحانه عن موسى في سورة القصص أنه استغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه، وكما سأل بعض الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له حال حياته صلى الله عليه وسلم، وهكذا يجوز للمسلم أن يقول لأخيه الحاضر القادر: أعني على كذا، كسقي الزرع وبناء البيت ونحو ذلك، أو يكاتبه إن كان غائباً أو من طريق الهاتف ونحو ذلك من الطرق الحسية، فهذا كله لا بأس به بإجماع المسلمين.

والله المسئول أن يوفق المسلمين جميعا للفقه في دينه والثبات عليه، وأن يولي عليهم خيارهم، وأن يصلح قادتهم، وأن يعيذنا وجميع المسلمين من مضلات الفتن ونزغات الشيطان، ومن شر دعاة الضلال والبدع إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأتباعه بإحسان.

عبد العزيز بن عبد الله بن باز

مفتي عام المملكة العربية السعودية

ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء