الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وبعد:

فقد اطلعت على مقال منشور في جريدة عكاظ في العدد (9842) الصادر في يوم الأربعاء الموافق 24 محرم 1414هـ، حول: (قوانين القبائل والدعوة إلى إحيائها) فرأيت أن من الواجب الرد على هذا المقال، وبيان ما فيه من الخطر العظيم والفساد الكبير؛ وذلك لأن في إحياء العادات القبلية، والأعراف الجاهلية ما يدعو إلى ترك التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك المخالفة لشرع الله المطهر.

ولوجوب النصيحة لله ولعباده أقول وبالله التوفيق:

يجب على جميع المسلمين أن يتحاكموا إلى كتاب الله سبحانه وتعالى، وسنة رسوله محمد عليه أفضل الصلاة والسلام في كل شيء، لا إلى العادات والأعراف القبلية، ولا إلى القوانين الوضعية، قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ[1]، وقال سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا[2]، وقال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[3]، وقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا[4].

فيجب على كل مسلم أن يخضع لحكم الله ورسوله، وأن لا يقدم حكم غير الله ورسوله كائناً من كان على حكم الله ورسوله، فكما أن العبادة لله وحده فكذلك الحكم له وحده، كما قال سبحانه وتعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ[5].

فالتحاكم إلى غير كتاب الله سبحانه وتعالى وإلى غير سنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أعظم المنكرات، وأقبح السيئات، بل قد يكفر المتحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله إذا اعتقد حل ذلك، أو اعتقد أن حكم غيرهما أحسن، قال سبحانه وتعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[6].

فلا إيمان لمن لم يحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في أصول الدين وفروعه، وفي كل الحقوق، فمن تحاكم إلى غير الله ورسوله فقد تحاكم إلى الطاغوت.

وبهذا يعلم أنه لا يجوز إحياء قوانين القبائل وأعرافهم وأنظمتهم التي يتحاكمون إليها بدلاً من الشرع المطهر الذي شرعه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، بل يجب دفنها وإماتتها والإعراض عنها، والاكتفاء بالتحاكم إلى شرع الله سبحانه وتعالى، ففيه صلاح الجميع وسلامة دينهم ودنياهم، وعلى مشايخ القبائل ألا يحكموا بين الناس بالأعراف التي لا أساس لها من الدين، وما أنزل الله بها من سلطان، بل يجب أن يردوا ما تنازع فيه قبائلهم إلى المحاكم الشرعية، وذلك لا يمنع الصلح بين المتنازعين بما يزيل الشحناء ويجمع الكلمة ويرضي الطرفين بدون إلزام، على وجه لا يخالف الشرع المطهر؛ لقوله سبحانه وتعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ[7]، وقوله عز وجل: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ[8]، وقوله جل وعلا: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ[9]، ولما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً) فالواجب الالتزام بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والتحاكم إليهما، والحذر مما يخالفهما، والتوبة النصوح مما سلف مما يخالف شرع الله تعالى.

وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وأعاذنا جميعاً من مضلات الفتن ونزغات الشيطان، إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.