بسم الله، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فإن تعاطي السحر والكهانة والتنجيم من أعظم المنكرات، ومن أعظم الفساد في الأرض، بل من أنواع الكفر الأكبر فيما يتعلق بالسحر والاعتقاد في النجوم، وأن لها تصرفا في المخلوقات، أما الكهانة ففي حكمها تفصيل.

ولا شك أن الواجب على كل مسلم عرف الباطل أن ينكره، وأن يحاربه، وأن يتعاون مع إخوانه المسلمين في محاربته، كما قال عز وجل: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[1]، وقال سبحانه: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ[2]، وكل مجتمع يقل فيه العلم ويغلب فيه الجهل تكثر فيه هذه الشرور من السحر والكهانة والتنجيم، وسائر أنواع الشعوذة.

لعدم وجود الرادع عنها، والمنكر لها، وعدم وجود الوازع السلطاني، والوازع الإيماني، وكل مجتمع يكثر فيه أهل الإيمان والعلم ويقل فيه أهل الجهل تقل فيه هذه الشرور وهذه الأباطيل، وقد كانت هذه الجزيرة العربية في منتصف القرن الثاني عشر وما قبله بأزمنة كثيرة مليئة من هذه الشرور من الكهانة، والسحر، والشرك بعبادة الأصنام والأوثان والأشجار والجن، وغير ذلك في أرجاء الجزيرة جنوبها وشمالها، حتى يسر الله الإمام المصلح الموفق الشيخ العلامة شيخ الإسلام في عصره: محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه فقام بالدعوة إلى الله، وبذل وسعه في بيان ما شرع الله لعباده وما حرمه عليهم، وبيان حقيقة التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وبعث الله به محمدا عليه الصلاة والسلام، وألف المؤلفات في ذلك، مثل "كتاب التوحيد"، وقد بين فيه ما يتعلق بالكهانة والسحر والتنجيم، وألف رسالة صغيرة هي "ثلاثة الأصول" فيها أصول العقيدة، وألف كتاب "كشف الشبهات" الذي بين فيه شبها كثيرة، يشبه فيها أعداء الله على المسلمين من عباد الأصنام والأوثان، وألف العلماء قبله مؤلفات كثيرة في بيان هذه الشرور والتحذير منها، ولكن الله وفقه للقيام بمحاربة هذه الشرور والنشاط فيها، وبذل الدروس المفيدة والمحاضرات العظيمة، وساعده في ذلك من منَّ الله عليه بالهداية من العلماء الأخيار، من أبنائه وغيرهم من علماء عصره الذين وفقهم الله للهداية حتى حاربوا هذه الشرور، وحتى طهر الله بهم هذه الجزيرة منها، ولاسيما شمالها وحصل في اليمن والهند والشام والعراق وغير ذلك من آثار هذه الدعوة خير كثير، ونقل العلماء إلى بلادهم عن علماء هذه البلاد - حين يجتمعون بهم في الحرمين وغيرهما - هذه العقيدة الطيبة، ونشروها في بلاد كثيرة الهند، والشام، ومصر، والعراق، وغير ذلك، حتى هدى الله بذلك من شاء من أهل تلك البلاد.

فكل مجتمع ينشط فيه الحق ويكثر فيه دعاة الحق يختفي فيه هؤلاء الضالون من المنجمين والكهنة والسحرة، ودعاة الشرك، وكل مجتمع يغلب فيه الجهل ويقل فيه العلم يكثر فيه الباطل وأهله ويجدون مجالاً لنشر أباطيلهم.

والواجب على أهل العلم والإيمان في كل مكان في هذه الجزيرة وفي غيرها أن يبذلوا وسعهم في محاربة الباطل، ونشر الحق، بالمحاضرات، والدروس، والندوات، وخطب الجمعة، وخطب الأعياد، وغير ذلك عند كل مناسبة، وفي الإذاعة والتلفاز، وفي الصحافة حتى ينتشر الحق، وحتى يعلم الجهال ما وقعوا فيه من الباطل، وحتى تكشف عورات هؤلاء الضالين من المنجمين والكهنة والرمالين والسحرة، ودعاة الباطل بسائر أنواعه.

وإني أنصح كل مسلم أن يعنى بكتاب الله وهو القرآن الكريم، ويتدبره فيكثر من تلاوته، ويتدبر معانيه، وكذلك يدارسه بعض إخوانه حتى يستفيد بعضهم من بعض، وهكذا يسأل أهل العلم عما أشكل عليه، ويحضر حلقات العلم، ولاسيما في هذا العصر الذي قل فيه العلم وغلب فيه الجهل في غالب الأمصار.

والواجب على كل من تهمه نفسه ويخشى عليها الهلاك أن يحرص على طلب العلم وعلى حلقات العلم ليستفيد ويفيد، ولو بعدت دياره، فعليه أن يسافر لطلب العلم لدى علماء السنة حتى يحضر دروسهم ويستفيد مما يقال عن الله وعن رسوله وعن أهل العلم والتحقيق والبصيرة، لبيان ما وقع الناس فيه من الباطل، ولبيان ما أوجب الله وما حرم الله حتى يكثر العلم وينتشر الخير، وقد منَّ الله سبحانه في أول هذا القرن، وفي آخر القرن الرابع عشر بحركة كثيرة إسلامية، وانتباه ويقظة عظيمة بأسباب المحاضرات والندوات الكثيرة، وما يلقى في الصحف وفي الإذاعات، وفي الخطب المنبرية، وفي غير ذلك من الاجتماعات من أنواع العلم والخير في بلدان كثيرة، فحصل بذلك بحمد الله خير كثير ويقظة وانتباه.

فنسأل الله أن يزيد المسلمين خيراً، وأن يوفق علماءهم لنشر ما عندهم من العلم، والاستمرار في ذلك، والصدق فيه والصبر على ذلك، وأن يوفق المسلمين لقبول الحق والانتفاع بأهل العلم والاستفادة منهم، والسؤال عما ينفعهم، قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[3]، وقد بين الله في كتابه الكريم، وفي سنة رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم كل ما يحتاجه العباد في أمر دينهم ودنياهم، كما قال الله سبحانه: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ[4]، وقال عز وجل: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ[5]، وقال سبحانه: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ[6]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) رواه البخاري في صحيحه، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا لكم كالوالد أعلمكم ما ينفعكم)، وقال عليه الصلاة والسلام: (ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم).

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، فالواجب على كل مسلم أن يتقي الله، وأن يتفقه في الدين عن إخلاص وصدق، وبذلك يوفق إن شاء الله ويفوز بالمطلوب، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)، وقال عليه الصلاة والسلام: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)، والأحاديث في الترغيب في العلم والحث عليه كثيرة، فنسأل الله أن يوفق المسلمين في كل مكان للعلم النافع والعمل به، إنه سميع قريب.

ومن الوسائل لتحصيل العلم النافع متابعة ما يبث بواسطة إذاعة القرآن الكريم، من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، والمحاضرات المفيدة، والندوات العلمية، وبرنامج نور على الدرب، وغير ذلك من الفوائد الكثيرة، فنوصي جميع المسلمين في كل مكان بأن يستفيدوا من هذه الإذاعة - أعني إذاعة القرآن الكريم في المملكة العربية السعودية - لما في ذلك من الخير العظيم، والعلم النافع، والفوائد المهمة، وكشف الشبهات التي يروجها أهل الباطل، إلى غير ذلك من الفوائد النافعة في الدين والدنيا.

نسأل الله أن يوفق المسلمين لكل خير، وأن يجزي الحكومة السعودية عن جهودها خيراً، وأن يصلح لها البطانة وينصر بها الحق، وأن يوفق علماء المسلمين في كل مكان لنشر الحق والدعوة إليه والصبر على ذلك، إنه جواد كريم، هذا العلم المبثوث من الإذاعة المذكورة علم عظيم ساقه الله إلى الناس في كل مكان بسهولة ويسر ليستفيد منه الإنسان وهو في فراشه، وهو في منزله، وهو في سيارته وغير ذلك، فينبغي أن يغتنم هذا العلم ولاسيما برنامج نور على الدرب، نسأل الله أن ينفع به المسلمين، وأن يمن باستمراره على يد العلماء والأخيار الصالحين الموفقين.

أما موضوع السحر والكهانة والتنجيم: فهو موضوع خطير، كما أسلفنا في أول هذا الحديث والخلاصة في هذه الأمور الثلاثة أن الساحر يتعاطى أموراً يسحر بها الناس تارة بالتخييل، كما قال الله عن سحرة فرعون: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى[7]، يعملون أشياء تغير مناظر الأمور في أعين الناس حتى يروا الأشياء على غير ما هي عليه، كما قال تعالى في سورة الأعراف: فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ[8]، فهم يفعلون أشياء تسحر العيون حتى يرى الحبل حية والعصا حية تمشي، وهي ليست حية وإنما هي عصا أو حبل، وكذلك يسحرون الناس بأمور أخرى مما يبغض الرجل إلى امرأته، والمرأة إلى زوجها، مما يسحرون به أعينهم، وبما يعطونهم من أدوية خبيثة يتلقونها عن الشياطين، وبما يعقدون من العقد التي، ينفثون فيها بدعوة غير الله من الشياطين، والاستعانة بهم في إضرار الناس، فيخيل للرجل أن زوجته غير الزوجة المعروفة فيراها في طلعة قبيحة ينفر منها ويبغضها، ويخيل للمرأة أن زوجها غير زوجها المعروف في صورة قبيحة وفي صورة مفزعة، بأسباب ما وقع من هؤلاء المجرمين.

فسحرهم على نوعين نوع يكون بالتخييل والتزوير على العيون حتى ترى الأشياء على غير ما هي عليه.

ونوع آخر منه ما يسمى الصرف والعطف، يكون بالعقد والنفث والأدوية التي يصنعونها من وحي الشياطين، وما تزينه لهم ويدعونهم إليه، وهذا النوع الثاني يحصل به تحبيب الرجل إلى امرأته، أو بغضه لها والعكس، وهكذا غير الزوج والزوجة مع الناس الآخرين، ولهذا شرع الله لنا الاستعاذة من شر النفاثات في العقد، وشرع لنا الاستعاذة من كل سوء.

وحكم الساحر الذي يعلم منه أنه يخيل على الناس، أو يترتب على عمله مضرة على الناس، من سحر العيون، والتزوير عليها، أو تحبيب الرجل إلى امرأته والمرأة إلى زوجها، أو ضد ذلك مما يضر الناس، متى ثبت ذلك بالبينة لدى المحاكم الشرعية وجب قتل هذا الساحر، ولا يقبل منه توبة ولو تاب.

وقد ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى عماله بقتل السحرة وعدم استتابتهم، وثبت عن ابنته حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها أمرت بقتل الجارية التي سحرتها فقتلت، وثبت عن جندب الخير، ويقال جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أنه وجد ساحراً يلعب عند الوليد فأتاه من حيث لا يعلم فقتله، وقال: (حد الساحر ضربه بالسيف) يروى عنه مرفوعاً وموقوفاً، والصحيح عند أهل العلم أنه موقوف من كلام جندب رضي الله عنه.

وقد سبق ما ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه أمر عماله - أعني أمراءه - بقتل السحرة، لمنع فسادهم في الأرض، وإيذائهم للمسلمين وإدخالهم الضرر على الناس، فمتى عرفوا وجب على ولاة أمر المسلمين قتلهم، ولو قالوا: تبنا؛ لأنهم لا يؤمنون، لكن إن كانوا صادقين في التوبة نفعهم ذلك عند الله عز وجل؛ لعموم قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ[9]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (التوبة تهدم ما كان قبلها) والأدلة في هذا كثيرة.

أما من جاء إلى ولاة الأمور من غير أن يقبض عليه يخبر عن توبته، وأنه كان فعل كذا فيما مضى من الزمان وتاب إلى الله سبحانه وظهر منه الخير فهذا تقبل توبته؛ لأنه جاء مختاراً طالباً للخير معلناً توبته من غير أن يقبض عليه أحد أو يدعي عليه أحد، والمقصود أنه إذا جاء على صورة ليس فيها حيلة ولا مكر فإن مثل هذا تقبل توبته؛ لأنه جاء تائباً نادماً كغيره من الكفرة ممن يكون له سلف سيئ ثم يمن الله عليه بالتوبة من غير إكراه ولا دعوى عليه من أحد.

وأما الكهان فهم أناس يدعون علم الغيب بواسطة قرنائهم من الجن فيقولون كان كذا وكذا، وسيكون كذا وكذا، وفلان سوف يصيبه كذا، أو فلان سوف يتزوج فلانة، وفلان سوف يقتل في وقت كذا... إلى غير هذا مما يدعون.

فهم في هذه الأقوال تارة يكذبون، وقد يقع القدر بما يقولون فيظن المغفلون أنه بأسباب صدقهم، ويظن الجهلة ذلك، وتارة بما تلقي إليهم الشياطين مما يسترقون السمع من السماء فيسمع الكلمة الصادقة ويكذب معها الشيء الكثير، كما جاء في الحديث، أنهم يكذبون معها مائة كذبة، وقد يزيدون، كما في الحديث الآخر، وقد يكذبون كذبات لا حصر لها، فيقول الناس صدقوا في يوم كذا وكذا ثم يصدقونهم في كل شيء، وهذا من الابتلاء والامتحان.

وتارة بواسطة الشياطين الذين يتجسسون على الناس، فإن كل إنسان معه شيطان، فهذا الشيطان الذي معك يلقي إليه أولياؤه من الشياطين الذين مع الكهنة وعند الكهنة وعند السحرة فيخبرهم ببعض الأشياء التي فعلها الإنسان حتى يروج باطل هذا الساحر، وهذا الكاهن بأسباب ما تلقيه إليه الشياطين مما قد وقع في البيوت والبلدان، ومما قد يسترق من السمع فيظن الجهلة والمغفلون أن هذا بعلمهم وبصيرتهم، وأن عندهم شيئاً من علم الغيب.

فالواجب الحذر من هؤلاء الكهنة والعرافين، وأن لا يصدقوا ولو قالوا إنه وقع كذا وكذا مما قد تخبرهم به شياطينهم وأصحابهم في البيوت أو البلدان التي يخبرون عنها، فلا يجوز أن يصدقوا ولا أن يلتفت إلى كلامهم، ولا يجوز أن يقروا على باطلهم، بل يجب على ولاة الأمر منعهم وعقابهم بما يقتضيه الشرع المطهر، قد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال: (لا تأتوهم)، وقال: (ليسوا بشيء)، وقال: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم يقبل له صلاة أربعين ليلة)، رواه مسلم في الصحيح، وقال عليه الصلاة والسلام: (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم)، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

وما ذلك إلا لأن علم الغيب من خصائص الله سبحانه وتعالى فمن ادعاه كفر بذلك، لقول الله سبحانه: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ[10]، وقوله عز وجل: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ[11]، وقوله سبحانه: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[12]، هكذا يقول عليه الصلاة السلام بما أمره الله أن يبلغ الناس، وأنه لا يعلم الغيب، وقال عز وجل: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ[13]، هكذا أمره الله أن يبلغ الناس عليه الصلاة والسلام أنه لا يعلم الغيب، وليس عنده خزائن الله وأنه ليس بملك.

فالواجب على المسلم أن يحذر هذه الشرور، وأن يتباعد عنها، وأن لا يأتي أهلها، ولو مات مريضاً، فالموت علمه عند الله جل وعلا، وشفاء الأمراض بيد الله سبحانه وتعالى ليس بيد زيد ولا عمرو، فليعالج بالعلاج الشرعي، العلاج المباح عند الأطباء، وعند القراء، وعند من يعرفون بالخير عند الأطباء الذين عرفوا مرضه وشخصوه، أو عند غيرهم من القراء المعروفين بالخير من أهل الخير والفضل، ففي كتاب الله شفاء لأمراض كثيرة، قال جل وعلا: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ[14]، وقال سبحانه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ[15]، وقد ينفع الله به من أمراض كثيرة، والأمر إلى الله جل وعلا إن شاء نفع بهذا الدواء من الطبيب أو من القارئ، وإن شاء جعل هذا المرض سبباً للموت؛ لأنه قد انتهى أمر صاحبه ولا حيلة فيه.

وقد رقى بعض الصحابة لديغاً من رؤساء العرب، وقد جمعوا له كل شيء وفعلوا كل شيء لعلاجه فلم ينفعه، فمر عليهم ركب من الصحابة رضي الله عنهم فقالوا لهم: هل منكم راق؟ قالوا: نعم، فرقاه بعضهم بفاتحة الكتاب وهي الحمد فقط، كررها عليه حتى شفاه الله وقام كأنما نشط من عقال، وكأنه لم يصب بلدغة، فقد عافاه الله في الحال.

فإذا كان القارئ يحمل الإيمان والصدق والإخلاص، وكان المقروء عليه ممن يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعلم عظمة القرآن، وأنه كلام الله، وأن الله سبحانه هو الذي بيده الشفاء، فإنه يتركب من هذا وهذا من إيمان القارئ وإيمان المقروء عليه ومن صدق هذا وهذا الخير الكثير، وإجابة الدعاء، والتأثر بالقرآن الكريم، وزوال المرض بإذن الله عز وجل، ولا ينبغي أن يغتر الإنسان بكون الساحر أو الكاهن يقرأ القرآن فيقول: هذا طيب، فإن الشياطين قد يقرءون القرآن وهم على شيطنتهم وعلى خبثهم، وقد يقرأ الكفار القرآن ولا ينفعهم ولا يفيدهم؛ لعدم إيمانهم به وعدم إسلامهم.

وقد ذكر ابن كثير رحمه الله حديثاً ثبت في صحيح البخاري عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي: (يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة)؟ قال: قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته وخليت سبيله، قال: (أما إنه قد كذبك وسيعود)، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيعود فرصدته، فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود، فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة)؟ قلت: يا رسول الله شكا حاجة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله، قال: (أما إنه قد كذبك وسيعود) فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود، فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: وما هي؟ قال: إذا آويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ[16] حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما فعل أسيرك البارحة)؟ قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: (ما هي)؟ قال لي: إذا آويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ[17]، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قلت: لا، قال: ذاك شيطان) أ.هـ.

والمقصود: أن الشياطين وهكذا نوابهم وأولياؤهم من الكهنة والمنجمين والرمالين والعرافين قد يقرءون القرآن كثيراً عند العامة، وعند الناس حتى يوهموا أنهم ليسوا أهل شر، وليسوا أهل فساد حتى يأخذوا أموال الناس ويبتزوها بكذبهم وافترائهم وما ينقلونه عن شياطين الجن، وما يفعلونه من الشرك بالله وعبادة غيره من الذبح للجن والاستغاثة بهم والنذر لهم إلى غير هذا من ولايتهم لهم، فإن الجن يستمتعون بالإنس حتى يعبدوهم من دون الله، والإنس يستمتعون بالجن بما يخبرونهم به من أمور الغيب.

فالواجب الحذر من هذه البلايا وهذه المحن، وتحذير الناس من ذلك، وأن يكتفي من عنده المريض بما شرع الله وأباح من العلاج الحسي المعروف عند الأطباء المعروفين، فكل مرض له طبيب خاص به، فيطلب من الأطباء المختصين أن يعالجوه، ومن القراء المعروفين بحسن العقيدة والقراءة على المرضى أن يقرءوا عليه، والله سبحانه هو الذي بيده الشفاء.

ثم إن المريض نفسه عليه أن يتحصن بحصن الله، وعليه أن يجتهد بالتعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، ويكثر من ذلك صباحاً ومساء ويقول: (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) ثلاث مرات صباحاً ومساء، كل هذه من أسباب السلامة والحفظ من كل بلاء، وهكذا قراءة آية الكرسي بعد كل صلاة بعد الأذكار الشرعية، وقراءتها عند النوم، وقراءة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ[18]، والمعوذتين بعد كل صلاة من أسباب العافية والسلامة، وقراءتها بعد المغرب وبعد الفجر ثلاث مرات، كل ذلك من أسباب العافية والسلامة إن شاء الله، وهكذا قراءة السور الثلاث المذكورة عند النوم ثلاث مرات؛ تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقد كان إذا اشتكى يقرأ السور الثلاث المذكورة في كفيه عند النوم ثلاث مرات يمسح في كل مرة بيديه على ما استطاع من جسده بادئاً برأسه ووجهه وصدره، هكذا جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها.

وعلى المريض أن يلجأ إلى الله سبحانه دائماً، يسأله العافية من كل شيطان ومن كل شر، فالعبد يلجأ إلى الله ويتضرع إليه دائماً ويسأله من فضله، والله سبحانه هو القريب المجيب جل وعلا، وهو القادر على كل شيء، وهو القائل سبحانه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ[19]، وينبغي للمؤمن أن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن يصبر ويحتسب، مع الدعاء وبذل الأسباب المباحة النافعة ويأخذ بها، وهو يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، قال تعالى: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا[20]، وقد ثبت عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال لابنه: (إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، جفت الأقلام وطويت الصحف).

فالمؤمن يتعاطى الأسباب ويفعلها مع الإيمان بأن قدر الله نافذ، وأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، حتى يكون مطمئن القلب، مستريح النفس، مستريح البال، ولا يمنعه ذلك من تعاطي الأسباب الشرعية والحسية المباحة، وأما التنجيم فإنه أيضاً شعبة من شعب دعوى علم الغيب، وهو من عمل العرافين والمشعوذين، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد).

والمنجم يلبس على الناس، ويقول: إذا صادف اسمك أو اسم أمك أو اسم أبيك نوء كذا ونوء كذا جرى كذا وكذا، وربما شبه على الناس فقال: أعطني اسمك واسم أمك واسم أبيك وأنا أنظر - بزعمه أنه ينظر في النجوم - فإذا توافقت الأسماء على ما يزعم يكون كذا ويقع كذا ويقع كذا، وكل هذا من الخرافات والباطل، وكله من التلبيس على الناس حتى يأخذوا أموالهم بغير حق، وقد يصادف القدر حاجة شخص فيظن المسكين أنه بأسباب هذا المنجم أو بأسباب هذا الكاهن حصل هذا الأمر، وقد يكون وصف لشخص دواء آخر غير ما يزعمه عن النجوم والتنجيم من الأدوية المعروفة، والتي يعرفها لهذا المرض فيظن المريض أنه حصل له الشفاء بأسباب دعوى هذا المنجم علم الغيب، أو من أسباب تعاطيه النظر في النجوم، أو غير ذلك.

فالحاصل إن وجود الشفاء في بعض الأحيان بعد إتيان الكهان أو المنجمين أو الرمالين أو غيرهم لا يدل على صحة ما هم عليه، فالمشركون أنفسهم عباد الأصنام، قد يأتون إلى الصنم ويسألونه فيقع لهم ما أرادوا بإذن الله عز وجل صدفة ولحكمة أرادها الله جل وعلا، أو بواسطة الشياطين، فصارت ابتلاء وامتحاناً لا من الصنم، فالصنم ما فعل شيئاً، والجني الذي عنده ما فعل شيئاً، ولكن قد يوافق القدر أن هذا المرض يزول، وهذا البلاء يزول بعد ما جاء هذا المسكين إلى الصنم وسأله أو ذبح له، فيقع ذلك ابتلاء وامتحاناً، من غير أن يكون ذلك من عمل الساحر، أو من عمل الصنم، أو من عمل الجن، أو غير ذلك، فيقع للمشركين أشياء تغريهم بأصنامهم حتى يعبدوها من دون الله.

فلا ينبغي للعاقل أبداً أن يغتر بما يقع على أيدي هؤلاء المنجمين، أو الكهنة والعرافين أو السحرة، بل يجب أن يبتعد عنهم وأن لا يصدقهم، ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن النشرة وهي حل السحر عن المسحور قال: (هي من عمل الشيطان)، يعني حل السحر على يد الساحر، هو من عمل الشيطان؛ لأنه يحله بدعاء غير الله، والاستغاثة بغير الله، وعمل ما حرمه الله، ولكن حل السحر إذا كان بالأدوية المباحة، والرقية الشرعية، والدعاء الشرعي من طريق الأطباء المختصين، أو من طريق القراء المعروفين بحسن العقيدة أمر أباحه الله جل وعلا، ولا بأس به، وقد صحت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يدل على جوازه، بل على استحبابه، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (عباد الله تداووا ولا تداووا بحرام)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً) والأحاديث في هذا الباب كثيرة، والله ولي التوفيق.