الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه، ومن سلك سبيله واتبع هداه إلى يوم الدين.
أما بعد: أيتها الأخوات في الله، أشكر رئيسة الجمعية على دعوتي إلى هذا اللقاء، وأسأل الله أن يوفقها والعاملات معها لما فيه صلاح الجمعية واستمرار نفعها، ولما فيه أيضا صلاح المسلمين جميعا.
أيتها الأخوات في الله: إن التذكير بالله والتآخي في الله من أهم القربات ومن أفضل الطاعات، وهو من التناصح والتعاون على البر والتقوى، ومن التواصي بالحق الذي أثنى الله على أهله، وأخبر أنهم هم الرابحون، قال تعالى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[1]، وقال عز وجل: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}[2].
أمر سبحانه في الآية الأولى بالتعاون على البر والتقوى، ويدخل في ذلك النصيحة والتوجيه إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبر الوالدين، وغير ذلك مما ينفع العباد في العاجل والآجل، ونهى عن التعاون على الإثم والعدوان، ويدخل فيه التعاون على كل ما يغضب الله سبحانه وتعالى، كالتعاون على المعاصي كلها كالمسكرات وظلم الناس، وغير ذلك مما يدخل في التعاون على الإثم والعدوان. فلا يجوز لمسلم أو مسلمة أن يعين على معصية الله عز وجل، وينبغي للمؤمن والمؤمنة ألا يتأخرا عن التعاون على البر والتقوى.
وأخبر في سورة العصر أن من صفات الرابحين الناجين السعداء: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
هذه أيتها الأخوات في الله صفات الرابحين، صفات السعداء: الإيمان بالله ورسوله إيمانا صادقا، ثم العمل الصالح، وهو ثمرة الإيمان وهو موجب الإيمان، وهو أداء فرائض الله والكف عن محارم الله، والمسارعة إلى الخيرات والازدياد من أنواع القربات.
والأمر الثالث: التواصي بالحق، ويدخل فيه التناصح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر وجوه الخير.
والرابع: التواصي بالصبر فإن الأمور المهمة لا تحصل إلا بالله ثم بالصبر، فلهذا أخبر سبحانه عن صفات الرابحين أنهم يتواصون بالصبر.
هذه العناصر الأربعة هي أسباب الوصول إلى السعادة، والوصول إلى الربح، وهذه العناصر إذا توافرت للمجتمع صار مجتمعا صالحا، سواء كان رجاليا أو نسائيا، كل مجتمع تتوافر فيه هذه الأمور الأربعة وهي: الإيمان الصادق بالله ورسوله، إيمانا يتضمن توحيد الله ويتضمن الإيمان بالرسل جميعا ومنهم خاتمهم وأفضلهم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ويتضمن الأصل الثاني وهو العمل الصالح، وهو أداء الفرائض وترك المحارم، والمسارعة في الخيرات، ويتضمن العنصر الثالث وهو التواصي بالحق والتعاون على الخير والتناصح، ويتضمن العنصر الرابع التواصي بالصبر.
ووصيتي لكن أيتها الأخوات العناية بهذه الأصول والحرص عليها، ولاسيما في هذا العصر الذي كثرت فيه الشرور، وغلب فيه الجهل بأمور الدين، وقل فيه العلم.
ويجب على المؤمن والمؤمنة التعاون على البر والتقوى دائما، ولاسيما في هذا العصر الذي لا تخفى حاله وما كثر فيه من المغريات وأسباب الشقاء، وما حصل فيه من الاختلاط بالكفرة والفسقة، وما حصل فيه أيضا من الرفاهية وتطور الأحوال في كل شيء. فالمؤمن والمؤمنة في أشد الحاجة للتواصي بالحق والتناصح والتعاون على الخير والصبر على ذلك. فالمؤمن ينصح أخاه إذا رأى منه تقصيرا، وأيضا المؤمنة تنصح أختها في الله وأخاها في الله، زوجها وأباها وابنها وابنتها وأختها وجدتها وأمها وغيرهم، في كل شيء في الصلاة، في الصوم، في الحج، في بر الوالدين، في الكف عن محارم الله، في صلة الرحم، إلى غير ذلك.
والناس بخير ما تناصحوا وتواصوا بالحق، فإذا أهملوا وضيعوا وتقاعسوا عن هذا الأمر العظيم، ظهرت بينهم المنكرات، وقلت بينهم الخيرات، وانتشرت الرذائل.
أخلاق المؤمنين والمؤمنات:

ومما ورد في كتاب الله العظيم فيما يتعلق بهذا الأمر العظيم قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[3]
هذه صفة المؤمنين والمؤمنات، وهذه أخلاقهم، بعضهم أولياء بعض لا حقد ولا حسد، ولا غش ولا خيانة ولا تنابز بالألقاب ولا لمز، ولا غير ذلك مما يؤذي ومما يسبب الشحناء والعداوة والفرقة، بل هم أولياء يتحابون في الله، ويتناصحون ويتواصون بكل خير. ولذلك يأمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر فيما بينهم، هكذا المؤمنون والمؤمنات.
وبهذا تصلح مجتمعاتهم، وتستقيم أحوالهم، ثم مع هذا يقيمون الصلاة كما شرعها الله بالطمأنينة، وبالخشوع والإقبال عليها، والمحافظة عليها في أوقاتها، وأداء ما يلزم فيها من شروط وأركان وواجبات، أي أن تقام كما شرع الله، يؤدونها كما شرع الله في كل وقت. {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} ويعطونها إلى المستحقين لها كما أمر الله، ثم قال: {وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} من صفات أهل الإيمان ذكورا وإناثا طاعة الله ورسوله في جميع الأمور. وهذه أسباب السعادة، وهذه سبل النجاة، هذا ما أوصيكم به ونفسي: تقوى الله جل وعلا، والقيام بهذه الأمور وتدبرها وتعقلها، كما أوصيكن بكتاب الله القرآن الكريم، بتدبره وتعقله، والإكثار من تلاوته والعمل بما فيه، وهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، كتاب الله الذي قال فيه سبحانه: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}[4] وقال فيه عز وجل: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}[5] وقال فيه تبارك وتعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[6] فأوصيكن بهذا الكتاب العظيم تلاوة وتدبرا، وتعقلا وعملا، التي تقرأ عن ظهر قلب تحمد الله وتقرأ عن ظهر قلب، كيفما شاءت مضطجعة وجالسة وماشية، والتي تحتاج إلى مصحف تقرأ منه على طهارة وتدبر وتعقل، فيه الهدى والنور، وفيه الدعوة إلى كل خير: الدعوة إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، فيه الترهيب من مساوئ الأخلاق، وسيئ الأعمال.
كما أوصيكن بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم والحرص على سماع الأحاديث فيما بينكن: من (رياض الصالحين)، أو (بلوغ المرام)، أو (منتقى الأخبار)، أو غيرها من كتب الحديث المعتبرة كالصحيحين والسنن الأربع.
وننصح بهذا كل مسلم ومسلمة في أنحاء المعمورة، فإن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تدعو إلى الهدى، وكلها تفسر كتاب الله، وتدل على معناه. فالتي تقرأ وتطالع الكتب تستفيد، ومن أحسن ما يقتنى (رياض الصالحين)، فهو كتاب جيد، و (بلوغ المرام)، و (منتقى الأخبار) و (عمدة الحديث)، هذه كتب جيدة ومفيدة وعظيمة.
وإذا كانت لا تقرأ فيمكن أن تقرأ عليها ابنتها أو أختها أو ابنها أو أخوها في مجالس مرتبة، في أوقات معينة للفائدة والتعاون على الخير والتفقه في الدين.
أسأل الله بأسمائه أن يوفقنا وإياكن إلى الخير، وأن يمنحنا الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يزيدنا وإياكن علما نافعا، وعملا صالحا.
أما موضوع هذا اللقاء وهو الكلام على (الاستهلاك)، وما يترتب على الوقوع فيه من التبذير، والإسراف، فكلمتي هنا أقول: قد أنزل الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم آيات فيها ذكر الإسراف والتبذير، والنهي عنهما، والثناء على المقتصدين والمستقيمين في تصرفاتهم في أكلهم وشربهم وسائر نفقاتهم.
فلا إسراف ولا تبذير، ولا بخل ولا تقتير، ولا غلو ولا جفاء. هكذا شرع الله بالتوسط في الأمور كلها، ومن ذلك النهي عن الغلو، فالعباد منهيون عنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)).
والله سبحانه وتعالى يقول: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ}[7] ونهيه سبحانه لهم هو نهي لنا أيضا، والجفاء والتقصير منهي عنهما، بل يجب أن نؤدي الواجبات وندع المحرمات ونسارع في الخيرات من غير غلو ولا جفاء.
والغلو هو: الزيادة فيما شرع الله، مثل الذي لا يكفيه الوضوء الشرعي، بل يزيد ويسرف في الماء، فلا يكتفي بغسل يديه ورجليه ثلاثا بل يزيد على ذلك، فهذا نوع من الغلو فيما شرع الله، وهكذا في الأذان، وهكذا في الإقامة، وهكذا في الصوم إلى غير ذلك.
فالزيادة في الشرع تسمى غلوا وإفراطا وبدعة، والتقصير في الصلاة بالنقص وعدم الكمال يسمى جفاء وتفريطا. وهكذا النقص في الصوم أن لا يحفظه من المعاصي كالغيبة والنميمة وسيئ الكلام والفعال حال صومه، فهذا جفاء في الصوم ونقص.
ومن الغلو في الصيام: كونه لا يتكلم أو لا يجالس الناس فهذا غلو.
ولكن نصلي كما شرع الله، ونصوم كما شرع الله، ونبتعد عما حرم الله، وهكذا في النفقات لا إسراف ولا تبذير ولا بخل ولا تقتير، ولكن بين ذلك خير الأمور أوسطها، كما قال سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً}[8]فالشرع جاء بالتوسط في الأمور كلها، وعدم الغلو، وعدم الجفاء، وعدم التشدد. قال الله سبحانه: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}[9] أمر الله سبحانه بأخذ الزينة لما فيها من ستر العورات، ولما فيها من الجمال كما قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَريشَاً}[10] الريش: ما يتجمل به الإنسان، فالله خلق لنا شيئا نستر به العورات، ثيابا تستر العورات، وخلق لنا ثيابا جميلة وهي الرياش فوق ذلك للتجمل بين العباد، ثم قال: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ}[11] لباس التقوى: الإيمان بالله، وتقوى الله: بطاعته واتباع ما يرضيه، والكف عن محارمه، هذا اللباس الأعظم، وهذا هو لباس التقوى.
ثم قال سبحانه وتعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا}[12] أمر بالأكل والشرب لما فيهما من حفظ الصحة والسلامة، وقوام البنية؛ لأن ترك الأكل والشرب يفضي إلى الموت، وذلك لا يجوز، بل يجب الأكل والشرب بقدر ما يحفظ الصحة، ويكون الإنسان متوسطا في ذلك حتى يحفظ الصحة، وتستقيم حاله، فلا يسرف فيؤدي ذلك إلى التخمة والأمراض، والأوجاع المتنوعة، ولا يقصر فيضر بصحته، ولكن بين ذلك، ولهذا قال: {وَلا تُسْرِفُوا}.
وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه))وهذا الحديث الصحيح يدل على أن الإسراف في الأكل والتوسع فيه أمر غير مرغوب فيه، بل وخطير، بحسب ابن آدم ما يقيم صحته، ويقيم صلبه من اللقيمات التي تناسبه صباحا ومساء، وفي غير ذلك من الأوقات التي يحتاج فيها إلى الطعام والشراب. فإن كان لا بد ولا محالة من الزيادة فلا يسرف، فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس والراحة، للقراءة والتهليل والنشاط الاجتماعي، ومخاطبة الناس، إلى غير ذلك، والإسراف هو الزيادة، وهو في الأكل يؤدي إلى التخمة، وهو في الملابس يفضي إلى إضاعة المال، وعدم الاهتمام بحفظه، وفي الكلام يفضي إلى ما لا تحمد عقباه، أو إلى ما حرم الله من الكلام.
الإسراف من شرور الحياة:

وهذا الإسراف في كل شيء من شرور هذه الحياة، فالمؤمن يتوسط في أموره كلها، والمؤمنة تتوسط في كل الأمور، وقد أخبر جل وعلا عن منزلة المبذرين بقوله: {وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}[13]
فالمبذر مضيع للمال، لا يؤمن على مال، والمال له شأن عظيم، والمال الصالح نعم العون للرجل الصالح، ينفقه في سبيل الله.
فالواجب حفظ المال وعدم إضاعته، ولذلك جاء التشديد في شهادة الزور لما فيها من أخذ الأموال بغير حق، وسفك الدماء بغير حق، وهتك الأعراض بغير حق، فقال صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبركم بأكبر الكبائر))؟ قلنا بلى يا رسول الله قال ((الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور)) فكررها عليه الصلاة والسلام؛ لأن شهادة الزور شرها عظيم وعواقبها وخيمة، تؤخذ بها الأموال بغير حق، وتزهق بها الأرواح، وتنتهك بها الأعراض بغير حق. ولهذا حذر منها عليه الصلاة والسلام.
وجاء في كتاب الله العزيز ما يفيد التحذير منها، كما قال جل وعلا في سورة الحج: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}[14] أما عقوق الأمهات فهو كبيرة عظيمة، وجريمة شنيعة يجب الحذر منها، والتواصي بتركها، وأما الشرك بالله فهو أعظم الذنوب وأكبرها كما قال سبحانه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}[15] وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}[16] نعود إلى إكمال البحث في التبذير، يقول سبحانه وتعالى: {وَلا تُبَذِّرْ تبْذيرَاً}[17] يحذر سبحانه من التبذير وهو الإنفاق في غير الوجه الشرعي، كإنفاق الأموال في ظلم الناس، وقصد الإضرار بهم، أو في ظلم النفس كإنفاقها في المسكرات والمخدرات، وفي التدخين وفي الزنى وسائر المعاصي كالقمار والربا ونحو ذلك، وهكذا إتلافها من غير سبب كالإفراط في شراء الأغراض التي لا حاجة إليها. هذا من إضاعة المال، ومن التبذير، والرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال.
فالتبذير هو: صرف الأموال في غير وجهها، إما في المعاصي، وإما في غير فائدة لعبا وتساهلا بالأموال.
أما الإسراف فهو: الزيادة التي لا وجه لها، يزيد في الطعام والشراب بلا حاجة، يكفيه مثلا كيلو من الطعام أو كيلو من اللحم، أو ما شابه ذلك فيزيد طعاما ولحوما لا حاجة لها، تلقى في التراب وفي القمائم، هذا يسمى إسرافا.
وأما إتلاف الأموال بغير حق وصرفها في غير حق فيسمى تبذيرا، وبين سبحانه أن المبذرين إخوان الشياطين. لأنهم شابهوهم في اللعب والإضاعة والمعاصي.

التأدب بآداب الله:

فالواجب على المؤمنين والمؤمنات جميعا أن يتأدبوا بآداب الله، وأن يحذروا مما نهى الله عنه، فلا إسراف ولا تبذير لا في المآكل ولا في المشارب ولا في الملابس، ولا في غير ذلك، ولا في الولائم العامة، ولا في الولائم الخاصة، بل بالمقدار المناسب، فإذا صنع طعاما لجماعة ولكن تخلفوا أو تخلف بعضهم فليس بإسراف لكن يجتهد في صرف الطعام لمن يحتاجه، وفي نقله إلى من يحتاجه، أو في حفظه حتى يؤكل بعد ذلك، ولا يلقى في القمائم والمواطن القذرة.

وإن كان ولا بد فليحمل إلى جهة بعيدة سليمة حتى تأكله الدواب، وإذا تيسر نقله إلى من يستفيد منه من العمال والفقراء وجب ذلك حتى لا تضيع هذه الأموال، وحتى لا يقع الإسراف والتبذير.
وقد مدح الله سبحانه عباده المقتصدين، وهم عباد الرحمن، فقال في أوصافهم عز وجل: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}[18]، وهذا هو الحد الفاصل، لا إسراف ولا تقتير، وما بين ذلك هو القوام والعدل، يمدحهم سبحانه فيقول: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا}[19] الإسراف الزيادة، والتقتير البخل، والبخيل والبخل مذمومان، وهكذا الإسراف والتبذير مذمومان أيضا، فلا هذا ولا هذا ولهذا مدح الله عباد الرحمن بقوله {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامَاً}[20] كان عدلاً وسطاً.
فالوصية لكن أيتها الأخوات ولكل مسلم التخلق بهذا الخلق الكريم، والحرص في البيت وعند الولائم على التحري في هذه الأمور، والتوسط فيها، والحذر من إضاعة الأموال بغير حق، وكثرة الطعام بلا حاجة إليه، فإن المال ينفع إذا حفظ، والمحتاجون إليه كثيرون في هذه البلاد وفي غير هذه البلاد ونعلم من سكان هذه البلاد أمما لا يحصيها إلا الله، في حاجة إلى المال، وفي حاجة إلى الطعام، وفي حاجة إلى اللباس.
وإن كانت بلادنا بحمد الله من خير البلاد قد أفاء الله عليها خيرا كثيرا في دينها ودنياها. لكن مع ذلك موجود فيها من هو محتاج، إذا طلب وجد في هذه البلاد في المدن وفي القرى، وفي كل مكان محتاجون لأن تصل إليهم المساعدات من الزكاة وغيرها. بواسطة المحاكم والأعيان المعروفين بالثقة والأمانة، حتى توزع بينهم وينظر في شأنهم لأنهم في حاجة، وفوق ذلك في بلدان كثيرة في أفريقيا وفي آسيا، وفي كل مكان حاجات كثيرة وفقراء لا يعلم حالهم إلا الله، في أشد الحاجة إلى المال.
وهناك المجاهدون الأفغان، واللاجئون في باكستان في أشد الحاجة إلى المال، فكيف نضيعه، وكيف نسرف فيه، وكيف نبذر، وعندنا في بلادنا وغير بلادنا من هو محتاج، هذا لا يجوز أبدا، بل يجب التثبت في الأمور والحرص على التوسط فيها، في جميع الأمور من أكل وشرب ولباس، في وليمة عرس وغيرها، وولائم الأعراس فيها خطر عظيم؛ لأن كثيرا من الناس يباهي ويصرف نفقات باهظة، وربما وصلت إلى الدين والتكلف، فينبغي للمؤمن والمؤمنة أن يلاحظ هذا الأمر، فالمرأة تلاحظ زوجها، وتلاحظ أباها وأخاها، ولا تكلف زوجها ولا غيره ما لا يطيق، بل تعينه على الخير، وتعينه على الاقتصاد، وهكذا تعين ولدها وأخاها على الاقتصاد، وتعين أباها على ذلك، وتنصح إذا رأت من أبيها أو أخيها أو من زوجها أو من ابنها ميلا إلى الزيادة والإسراف والتبذير، تنصح وتقول: اتق الله، لا حاجة إلى هذا، ولا موجب لهذا، إذا كنا موسرين فلنتصدق ولنحسن إلى عباد الله، وإلا فلنبدأ بأنفسنا وسد حاجاتنا. روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كل واشرب والبس وتصدق في غير سرف ولا مخيلة)) أخرجه أبو داود وأحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أي من غير إسراف ولا تكبر، فبعض الناس يلبس ويصنع ولائم زائدة، تكبرا وتعاظما وفخرا وخيلاء، وذلك لا يجوز بل يشرع له أن يصنع الطعام بقدر الحاجة، ويلبس الإنسان ما يناسبه لا فخرا ولا تكبرا، ولكن للجمال، إن الله جميل يحب الجمال، والله يقول: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}[21] فلا بأس بالزينة المعتادة، ولا بأس بالطعام المعتاد والمناسب، ولا بأس بأكل الطيبات، فالله سبحانه وتعالى قد أحل الطيبات، لكن بقدر الحاجة، لا تلقى في الأسواق والقمائم، ولا تضيع الأموال بغير حق، ولا يلبس الإنسان ما يضره، ولا حاجة له به، ولا يجر ملابسه في الأوساخ والنجاسات.
وللمرأة أن ترخي من ثيابها ما يناسب حتى تستر قدميها، والرجل يرفع ثيابه فوق الكعب، ولا يجوز للرجل أن يرخي تحت الكعب، والمرأة عليها أن ترخي. لأنها عورة فتستر قدميها بإرخاء ثيابها، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار)) رواه البخاري في الصحيح، وهذا في حق الرجال، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم المسبل إزاره والمنان فيما أعطى والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)) خرجه مسلم في الصحيح. نسأل الله السلامة من كل ما يغضبه.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)) متفق عليه. وذلك يدل على أن الواجب على الرجل أن يرفع ثيابه فوق الكعب من نصف الساق إلى الكعب، ولا يجعلها تحت ذلك. أما المرأة فإنها عورة، ويجب أن ترخي ثيابها حتى تستر أقدامها في مشيها، أو تلبس الجوارب من أجل الستر.
والخلاصة: من هذا كله أن الواجب علينا جميعا رجالا ونساء، التوسط في الأمور، في النفقات وفي الملابس والولائم، وفي كل شيء فلا غلو في العبادات ولا في غيرها، ولا إسراف ولا تبذير لا في المآكل ولا في المشارب، ولا في الولائم ولا في غير ذلك، وعلينا أن نتحرى التوسط في الأمور كلها، قال تعالى: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُوراً}[22]، وهذا هو التوسط المأمور به، لا بخل ولا إمساك، ولا إسراف ولا تبذير، ولكن بين ذلك، كما قال ربنا عز وجل في وصف الأخيار من عباده: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامَاً}[23]، وأرجو أن يكون فيما ذكرته مع اختصاره الكفاية، وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا جميعا لما فيه رضاه، ولما فيه صلاح قلوبنا، وصلاح أعمالنا، وأن يمنحنا جميعا الفقه في الدين، والثبات عليه، وأن يصلح ولاة أمرنا، وأن يوفقهم لكل خير، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يعينهم على كل ما فيه صلاح الأمة ونجاتها في الدنيا والآخرة.
كما أسأله سبحانه أن يصلح عامة المسلمين في كل مكان، وأن يولي عليهم خيارهم، وأن يصلح قادتهم، وأن يمنحنا وإياهم العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يوفق حكامهم للحكم بالشريعة وتطبيقها فيما بينهم، والسلامة مما يخالفها إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين[24].


[1]

[2]

[3]

[4]

[5]

[6]

[7]

[8]

[9]

[10]

[11]

[12]

[13]

[14]

[15]

[16]

[17]

[18]

[19]

[20]

[21]

[22][23]

[24]