من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى إخوانه في الله حجاج بيت الله الحرام وإلى كل من يطلع على هذه الرسالة من المسلمين في كل مكان.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أما بعد:
فيسرني أن ألتقي بكم على صفحات هذه المجلة "التوعية الإسلامية" في عامها التاسع، والتي تصدرها الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية في موسم الحج من كل عام؛ لإرشاد حجاج بيت الله وضيوف الرحمن لأداء مناسك الحج والعمرة على ما تقتضيه أحكام الشريعة الغراء، وتبصيرهم بأمور دينهم الحنيف وأصول عقيدتهم التي كان عليها سلفنا الصالح رضي الله عنهم أجمعين، والتنبيه على كثير من البدع التي تفشت بين المسلمين، وتناول بعض القضايا المعاصرة بالدراسة التي تظهر وجه الحق فيها حتى يكون المسلم على بينة من أمرها بمقدار ما يتاح لهذه المجلة من وقت وإمكانيات، والله ولي التوفيق. وبهذه المناسبة الكريمة فإني أرحب بإخواني حجاج بيت الله في حرم الله، وأذكر نفسي وأذكرهم ببعض الوصايا، والنصائح الواجبة في مثل هذا المقام، حتى يكون عملنا مقبولاً، وسعينا مشكوراً، وحجنا مبروراً، وذنبنا مغفوراً بتوفيق من الله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. أوصيكم ونفسي بتقوى الله على كل حال، فإنها جماع كل خير ووصية الله تعالى للأولين والآخرين، قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ}[1]، وتتحقق تقوى الله عز وجل في امتثال أمره واجتناب نهيه عن إخلاص ومحبة له سبحانه ورغبة في ثوابه، وحذراً من عقابه، على الوجه الذي شرعه الله لعباده وبينه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته، كما قال الله تعالى له: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}[2].

واعلموا - رحمني الله وإياكم - أن الإخلاص لله في العبادة واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، أصلان أساسيان في صحتها وقبولها، واستحقاق الثواب عليها - لاسيما في الحج - فلنحرص على ذلك أشد الحرص، فقد قال الله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}[3]، وقال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[4]. ومن الإخلاص لله في العبادة، أن لا نشرك معه غيره، أو نصرف شيئاً منها لسواه، وأن نطهرها من الرياء وحب السمعة، فالله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك، وهو الذي يقول: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء}[5]، ويقول لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}[6]، وقال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}[7]، وقال عن المنافقين: {وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً}[8]. وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من سَمَّعَ سمع الله به، ومن يُرائي يرائي الله به))[9] متفق عليه، يعني من أظهر عمله للناس رياء أظهر الله سريرته للناس يوم القيامة وفضحه على رؤوس الخلائق. أعاذنا الله وإياكم من خزي يوم الدين. ومن العبادة الدعاء - بل هو أظهر مظاهر العبودية والتضرع لله - فينبغي أن يكون لله وحده، فلا يُدعى غيره ولا يستعان بأحد سواه، ولا يلجأ إلا إليه، ولا يستغاث إلا به، وفي الذكر الحكيم: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}[10]، وقال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}[11]. وقد جاء في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: ((... وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف))[12] رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وينبغي أن نتحرى في كل أعمالنا سنة رسولنا صلى الله عليه وسلم، فهو صلى الله عليه وسلم المتبوع والمقتدى به، ونتجنب البدع في ديننا، فالخير في الاتباع والشر في الابتداع. فقد قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم: ((وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة))[13] رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وقال صلى الله عليه وسلم: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))[14] متفق عليه. وأوصيكم ونفسي بتحري الحلال في المطعم والملبس والمشرب والنفقة والصدقة، فإن ذلك يعين على الطاعة ويكون سبباً في قبولها، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}[15]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}[16]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟))[17] رواه الإمام أحمد، و رواه مسلم في صحيحه والترمذي من حديث فضيل بن مرزوق. فاختاروا لحجكم وعمرتكم نفقة طيبة تعينكم على إجابة الدعاء وقبول الأعمال. وأوصيكم ونفسي بالمحافظة على الصلاة وأدائها جماعة ما استطعتم، فإنها عماد الدين وفرق ما بين المسلم والكافر وآخر ما يرفع من الدين وأول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، فمن ضيعها فهو لما سواها من الفرائض والواجبات أضيع، والله تعالى يقول: {{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ}[18]. والمحافظة كذلك على سائر الفرائض والواجبات من إيتاء الزكاة وصوم رمضان والإحسان إلى الوالدين وصلة الأرحام وإكرام الأيتام وحسن الجوار وغير ذلك من الواجبات التي يقوم عليها أمر الإسلام، فمن ضيعها أو تهاون بها أو قصر في أدائها فهو على خطر عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين. وأوصيكم ونفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الحكمة والموعظة الحسنة؛ لقول الله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[19]. ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان))[20] رواه مسلم. فابذلوا النصح لإخوانكم في رفق ولين فما من أمة ضاع فيها هذا الواجب إلا عمها الله بعذاب، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم))[21] رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم)[22] متفق عليه.

وأوصيكم ونفسي بأن نغتنم فرصة وجودنا في حرم الله تعالى بالإكثار من ذكره وشكره وحسن عبادته والتقرب إليه سبحانه بشتى الطاعات والقربات، فإننا في بلد تضاعف فيه الحسنات وقد فرغنا أنفسنا لذلك، فلا نضيع أوقاتنا في اللغو واللهو والقيل والقال فإنها تكون حسرات علينا يوم القيامة، ولنتجنب الجدال والخصام مع الرفقة والأصحاب، ولا نؤذ إخواننا الحجاج بالمزاحمة عند المناسك وخاصة عند الطواف واستلام الحجر الأسود ورمي الجمرات، فالله تعالى نهانا عن مجرد الجدال وهو دون هذا الأذى بكثير، فقال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ}[23]. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه))[24] متفق عليه. ولا يفوتني في هذا المقام أن أوصي حكام المسلمين بأن يتقوا الله ويحكموا شريعة الله ويقيموا حدوده، فإنهم مسئولون عن ذلك بين يديه حين يكون الملك له وحده بما ولاهم من أمر عباده، ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل، ولا يكون عادلاً إلا إذا حكم بما أنزل الله، والله تعالى قال لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ}[25]. كما أوصيهم بأن يجتمعوا على كلمة سواء وأن لا يختلفوا فتزول هيبتهم ويطمع فيهم عدوهم كما هو واقع الحال، والله تعالى يقول: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ}[26].

وأوصي العلماء - وهم أعلام الهدى - أن يجتمعوا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأن يجمعوا المسلمين على ذلك، وأن يخلصوا النصح لولاة الأمور ويؤثروا ما عند الله على ما عندهم فما عند الله خير وأبقى، ويبلغوا رسالة الله ولا يخشوا أحداً سواه. فإذا نصح العلماء واستجاب الأمراء استقامت الأمة على طاعة الله فأعزها الله ومكن لها في الأرض، وجعلها - بحق - خير أمة أخرجت للناس. وأوصي الأغنياء بأن يبذلوا من أموالهم ويعاونوا إخوانهم الفقراء، ويمدوا المجاهدين في كل مكان بما يعينهم على قتال عدوهم، فالله تعالى يقول: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا}[27]، ويقول الله تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}[28]. وإن فاتكم شرف الجهاد بالنفس فلا يفوتكم شرف الجهاد بالمال، فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا))[29] متفق عليه. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمع كلمة المسلمين على الحق ويؤلف بين قلوبهم على الهدى، ويوحد صفوفهم، وينصرهم على عدوهم، كما أسأله أن يصلح ولاة المسلمين ويحبب إليهم الإيمان ويزينه في قلوبهم، ويهيئ لهم البطانة الصالحة التي تذكرهم بالحق وتعينهم عليه، إنه الموفق لذلك والقادر عليه، وأن يجعل حجنا مبروراً وسعينا مشكوراً وذنبنا مغفوراً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


[1]

[2]

[3]

[4]

[5]

[6]

[7]

[8]

[9]

[10]

[11]

[12]

[13]

[14]

[15]

[16]

[17]

[18]

[19]

[20]

[21]

[22]

[23]

[24]

[25]

[26]

[27]

[28]

[29]