أما القيام عند دخول الأستاذ ، فظاهر الأحاديث الصحيحة يدل على كراهته أو تحريمه ؛ كحديث أنس - رضي الله عنه – قال :   ((لم يكن أحب إليهم – يعني الصحابة – من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانوا لا يقومون إذا رأوه ؛ لما يعلمون من كراهيته لذلك )) . رواه أحمد والترمذي ، وقال : حديث صحيح غريب .
ولا ينبغي للأستاذ أن يرضى من الطلبة بذلك ؛ لحديث معاوية - رضي الله عنه – أن النبي – عليه السلام - قال :   (( من أحب أن يمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار )) . أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي بإسناد جيد ، وقد حسنه الترمذي .
وأخرج أبو داود بإسناد فيه ضعف ، عن أبي أمامة - رضي الله عنه – قال : خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوكأ ًعلى عصى ، فقمنا إليه ، فقال :   ((لا تقوموا كما تقوم الأعاجم ؛ يعظم بعضهم بعضاً))[1] . وأخرجه أيضاً أحمد وابن ماجة ، وذكر هذه الأحاديث الحافظ محمد بن مفلح ، في (الآداب الشرعية) ، ص : 464 ، 465 ، المجلد الأول. وقد استثنى بعض أهل العلم من هذه الأحاديث القيام للقادم من السفر ؛ للسلام عليه ومصافحته أو معانقته ، وكذا من طالت غيبته ، واستثنى بعضهم قيام الولد لأبيه ؛ لإكرامه والأخذ بيده ، وقيام الوالد لولده إذا كان أهلاً لذلك ، والمراد : القيام للسلام والمصافحة . وهذا الاستثناء صحيح ، وقد دلت عليه السنة الصحيحة ، منها ما في الصحيحين ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال للصحابة لما قدم سعد بن معاذ للحكم في قريظة : (( قوموا إلى سيدكم )) ، والمراد : القيام للسلام عليه ، وإنزاله عن دابته .
وفي الصحيحين ، عن كعب بن مالك :   ((أنه لما دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد والناس حوله - لما أنزل الله توبته - قام إليه طلحة بن عبيد الله يهرول ، فصافحه وهنأه بتوبة الله عليه ، ولم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم))[2] ، وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي بإسناد جيد عن عائشة - رضي الله عنها – قالت :   (( كانت فاطمة رضي الله عنها  إذا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم قامت إليه ، فأخذت بيده ، وقبلته ، وأجلسته في مجلسها ، وإذا دخلت عليه قام إليها النبي  صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدها ، وقبلها ، وأجلسها في مجلسه))[3] .
فهذه الأحاديث صريحة في جواز مثل هذا ، وأنه لا يدخل في القيام المكروه .
وأما ما يفعله بعض الناس اليوم ؛ من القيام للأستاذ ونحوه كلما دخل عليهم لتعظيمه ، لا للمصافحة ونحوها ، وإنما يقومون ثم يجلسون ؛ تعظيماً له واحتراماً ، فلا شك في كراهة ذلك وإنكاره ، وأنه لا يجوز للأستاذ ونحوه أن يرضى بذلك ؛ لما تقدم في حديث معاوية وغيره .
وأحق الناس بامتثال السنة والتأدب بآدابها هم العلماء والمعلمون وطلاب العلم ، ورؤساء الناس وأعيانهم ؛ لأن الناس يقتدون بهم ، فإذا عظموا السنة عظمها الناس ، وإذا تهاونوا بها تهاون بها الناس .
ونبينا - صلى الله عليه وسلم - هو خير الناس وأفضلهم ، وسيد ولد آدم - عليه الصلاة والسلام - وكان لا يرضى أن يقام له ، بل كره ذلك ، ونهى الصحابة عنه ؛ خوفاً عليهم من الغلو ، ومشابهة الأعاجم في القيام لرؤسائهم وعظمائهم ، والله - سبحانه - يقول : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراًً[4] . وفقنا الله وإياك للعلم النافع ، والعمل به والدعوة إليه ، والله يتولانا وإياك . والسلام .

 

[1]  أخرجه أبو داود برقم : 4553  كتاب الأدب  ، باب  في قيام الرجل للرجل  ، وأحمد برقم : 21158  باقي مسند المكثرين  ، باب  حديث أبي أمامة الباهلي  .
[2]  أخرجه البخاري برقم : 4066  كتاب المغازي  ، باب  حديث كعب بن مالك  ، ومسلم برقم : 4973  كتاب التوبة  ، باب  حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه  .
[3]  أخرجه أبو داود برقم : 4540  كتاب الأدب  ، باب  ما جاء في القيام  ، والترمذي برقم : 3807 كتاب المناقب  ، باب  ما جاء في فضل فاطمة بنت محمد - صلى الله عليه وسلم -  .
[4]  سورة الأحزاب ، الآية 21 .