الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد؛ عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه، وعلى آله وصحبه، ومن نهج نهجه وسار على هديه إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن العلم بأحكام الله أمر ضروري؛ ليسير العبد المسلم في عبادته لربه على هدى وبصيرة، ولا يمكن للإنسان المسلم أن يفهم دينه ويعمل به، إلا إذا عرف أحكام هذا الدين، وأولاها: اهتمامه وعنايته وبذل جهده وطاقته للإلمام بها؛ لتكون عبادته لربه مبنية على أساس صحيح ومتين.
ومن وفقه الله لمعرفة أحكام هذا الدين والأخذ بها، فقد هدي إلى صراط مستقيم، وحصل على خير كثير، يقول الله سبحانه وتعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}[1].
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله:{ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} يعني: المعرفة بالقرآن - ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله -.

وروى جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعاً: (الحكمة: القرآن - يعني تفسيره -)، قال ابن عباس: (فإنه قد قرأه البر والفاجر) رواه ابن مردويه. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (يعني بالحكمة: الإصابة في القول). وقال ليث بن أبي سليم: (عن مجاهد: { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} ليست بالنبوة، ولكنه العلم والفقه والقرآن). وقال أبو العالية: (الحكمة: خشية الله؛ فإن خشية الله رأس كل حكمة). وقد روى ابن مردويه من طريق بقية، عن عثمان بن زفر الجهني، عن أبي عمار الأسدي، عن ابن مسعود مرفوعاً: (رأس الحكمة مخافة الله). وقال أبو العالية في رواية عنه: (الحكمة: الكتاب والفهم). وقال إبراهيم النخعي: (الحكمة: الفهم). وقال أبو مالك: (الحكمة: السنة).  وقال وهب عن مالك، قال زيد بن أسلم: (الحكمة: العقل). قال مالك: (إنه ليقع في قلبي أن الحكمة هي: الفقه في دين الله، وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلاً في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفاً في أمر دنياه، عالماً بأمر دينه بصيراً به، يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا؛ فالحكمةُ: الفقه في دين الله). اهـ.
ولكي ندرك أهمية الفقه في دين الله، وأنه نور لحامله والعامل به في الدنيا والآخرة، ولكي ندرك أهميته
وجدواه، نجد النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)[2] متفق عليه.
ويقول عليه الصلاة والسلام: ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء؛ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء؛ فنفع الله بها الناس؛ فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى منها، إنما هي قيعان؛ لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله - تعالى - ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به))[3]
رواه البخاري ومسلم. ويقول صلى الله عليه وسلم: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمه)) رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة من طرق متعددة، عن إسماعيل بن أبي خالد به.
ولقد برز حبر الأمة وترجمان القرآن، الصحابي الجليل: عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في معرفة الدين فقهاً وتفسيراً، وتوسع بعلوم الشريعة، ووعاها ببركة دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له: ((اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)).

إنها دعوة مباركة من رجل مبارك تقبلها الله من نبيه، ونعمة أنعم الله بها على ابن عباس رضي الله عنهما وأرضاهما.
وبرز في عهده وبعده أئمة أفذاذ في أصول الدين وفروعه، يحملون أمانة التبليغ والدعوة، ويؤدونها أحسن ما يكون الأداء، ويبصرون الناس بدين الإسلام، سواء في حلقات الدرس والمذاكرة والإرشاد المنتشرة في بيوت الله، أو فيما خلفوه من تراث علمي ومؤلفات قيمة في شتى فروع العلم الشرعي، وغيره من العلوم الأخرى التي تخدم الشريعة وترتبط بها، وهيأ الله ولاة صالحين يبذلون بسخاء في سبيل نشر العلم، وتشجيع العلماء وطلاب العلم.
إن التفقه في الإسلام وما اشتمل عليه من أحكام، يقتضي البحث والاطلاع لمعرفة حكم الله في كل قضية تعرض للمسلم في حياته، فلا يتجاوز هذه القضية دون بحث واستقصاء؛ ليصل إلى الحكم بالدليل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والإجماع والقياس الجلي.
والدين الإسلامي - بحمد الله - واضح، لا غموض فيه ولا التباس في أحكامه وتشريعاته، قد بينها الله في كتابه المبين، وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وحمل لواء هذه السنة وبينها ونافح عنها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون وسلف الأمة، وأئمة الشريعة وعلماؤها جيلاً بعد جيل، ثم تقاعس الكثير من الناس عن البحث والطلب والتحصيل، واكتفوا بالتقليد لغيرهم؛ فوقعوا في أغلاط كثيرة في العقيدة والأحكام.
ولقد أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو طريق المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين الذين علموا فعملوا، وأن يجنبنا طريق المغضوب عليهم، وهم الذين عرفوا الحق واتبعوا أهواءهم، وهم: اليهود ومن على شاكلتهم، وأن يجنبنا طريق الضالين، وهم الذين جهلوا الحق، وهم: النصارى ومن على شاكلتهم.
أيها الإخوة المسلمون: كيف نعرف أن هذا الماء طاهر أو نجس؟ أو أن هذا الشراب أو الطعام أو الإناء أو الصيد أو السوار أو اللباس مباح، أو حرام، أو مكروه، أو مستحب؟ كيف نعرف أن اقتناء هذا المال أو إنفاقه حلال أو حرام؟ كيف نهتدي إلى العبادات؛ نعرف أوقاتها، وطريقة أدائها؟ كيف نعرف قسمة المواريث والفرائض؟ كيف تقام الحدود؟ وكيف نقيم المعاملات فيما بيننا؟ إلى غير ذلك من تفاصيل العبادات والمعاملات، وما يسمى اليوم بالأحوال الشخصية؛ كالنكاح والطلاق وغيرهما؟ وقد استوعبت ذلك كله شريعتنا المطهرة، ولله الحمد.
إن دين الإسلام الحنيف قد أكمله الله، وما من شأن من شئون الدنيا والآخرة، إلا وفي هذا الدين له حكم وبيان واضح جلي، فهو دين كامل شامل، ليس قاصرا على النواحي التعبدية ولا شأن له بالنواحي المعاشية، كما يرميه بذلك أعداؤه ومن نهج نهجهم.
إن دين الإسلام يربط المخلوق بخالقه برباط متين، كما يقيم أفضل علاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان؛ قائمة على المحبة والترابط والتسامح، والتعاون على البر والتقوى.. أوضح كيف تعامل الحيوان الأعجم بالرفق والرحمة والإحسان، قبل أن تتظاهر أوربا بالرفق بالحيوان من خلال جمعيات أنشأتها لهذا الغرض، وهي لم ترفق بعد بالإنسان، ولم ترع حقوقه..
فالواجب على المسلمين التفقه في دينهم، وأن لا يتجاوزوا حدود ما أنزل الله، وأن يحرصوا على فهم أحكام دينهم قبل أي شيء، فإن بعض الناس – هداهم الله ووفقهم – قد يحيط بعلوم كثيرة من علوم الحياة ويبرز فيها، ولكنه لا يعلم شيئاً من أحكام دينه وأسرار شريعته.
وهذا هو الجهل الفاضح والمصيبة العظمى، فإن العلم بأحكام الله يجب أن يكون مقدماً على المعارف الأخرى، ولا مانع من التزود بالعلوم والمعارف الأخرى، ولكن لابد من تقديم الأصل الأصيل والركيزة الأساسية للعلوم كلها؛ وهو معرفة الدين عقيدة وسلوكاً وعبادة وأحكاماً مما لا يسع المسلم جهله.
كما أن الواجب على المسلمين أن يتمسكوا بدينهم بصدق، ويتقبلوا ما يأمرهم به؛ فيعملوا به ويطبقوه في شئون حياتهم كلها دون تمييز، وليعلموا أنهم إن فعلوا ذلك سيسعدون ويفلحون في الدنيا والآخرة، وهذه الأمة شرفها الله بهذا الدين، وأعزها به، فإذا تخاذلت عن ذلك فلا قيمة لها ولا عزة ولا سعادة.
فنسأل الله أن يوفقنا والمسلمين جميعاً لما فيه رضاه، وأن يعيذنا جميعاً من مضلات الفتن ومن شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وآله وأصحابه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

[1][2][3]